سياسة

محمد شوكي.. “الماكينة” السياسية الهادئة التي تتحرك في صمت وتعيد رسم صورة العمل الحزبي بالمغرب

في الوقت الذي اختارت فيه بعض الأحزاب المغربية العودة إلى لغة الصدام والتراشق السياسي ورفع منسوب التوتر داخل المشهد العمومي، يواصل محمد شوكي التحرك بمنطق مختلف، قائم على الاشتغال الميداني الهادئ، والحضور التنظيمي القوي، والتواصل المباشر مع القواعد الحزبية والمواطنين، بعيداً عن الضجيج السياسي المفتعل أو منطق تصفية الحسابات مع الخصوم.

خلال الأسابيع الأخيرة، تحوّل شوكي إلى ما يشبه “الماكينة السياسية” التي لا تتوقف، من خلال زيارات مكوكية شملت عدداً من المدن والأقاليم المغربية، في دينامية تنظيمية وسياسية لافتة تعكس استعداداً مبكراً للاستحقاقات المقبلة، لكنها تكشف أيضاً عن أسلوب جديد في تدبير العمل الحزبي داخل حزب التجمع الوطني للأحرار.

من خريبكة إلى دمنات، مروراً بعدد من أقاليم جهة بني ملال خنيفرة ولقاءات موسعة بمدينة الدار البيضاء و الجديدة و أسفي، بدا واضحاً أن الرجل يتحرك وفق رؤية سياسية وتنظيمية دقيقة، تقوم على إعادة شحن القواعد الحزبية، وفتح نقاش مباشر مع المنتخبين والأطر والمناضلين، في مشهد يحضر فيه الحشد الجماهيري بشكل لافت، وتغيب عنه لغة التشنج والاستعراض السياسي.

اللافت في تحركات شوكي أنه لا يعتمد أسلوب “الزعيم الصاخب”، بل يشتغل بهدوء كبير، ويتحدث بلغة سياسية متزنة، أقرب إلى خطاب المؤسسات منه إلى خطابات الشعبوية والانفعال.

فالرجل، الذي راكم تجربة سياسية وبرلمانية مهمة، يبدو مقتنعاً بأن المرحلة الحالية تحتاج إلى خطاب عقلاني يركز على الإنجاز والتنظيم والتأطير، بدل الانجرار نحو الصراعات الفارغة أو توزيع الاتهامات على المنافسين السياسيين.

هذا الأسلوب جعل عدداً من المتابعين يعتبرون أن محمد شوكي يمثل نموذجاً جديداً داخل الحياة الحزبية المغربية، نموذجاً يقترب بشكل كبير من التوجيهات التي ما فتئ يدعو إليها جلالة الملك محمد السادس، خاصة في ما يتعلق بتخليق الحياة السياسية، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد، وربط الممارسة السياسية بالأخلاق والكفاءة وخدمة المواطن.

فجلالة الملك محمد السادس كان واضحاً في أكثر من خطاب حول ضرورة الارتقاء بالمشهد السياسي المغربي، وقطع الطريق أمام الممارسات التي تسيء إلى صورة المؤسسات المنتخبة والأحزاب، سواء عبر الشعبوية أو الصراعات العقيمة أو تحويل النقاش العمومي إلى معارك شخصية.

وفي هذا السياق، يبدو أن شوكي اختار أن يحمل هذا التوجه عملياً داخل الميدان، من خلال خطاب هادئ لكنه قوي، ومن خلال قدرة كبيرة على التواصل والتنظيم دون السقوط في منطق الاستفزاز السياسي.

خلال الملتقى الوطني الثاني للمتصرفين والأطر الإدارية التجمعيين بمدينة الدار البيضاء، والذي عُقد تحت شعار “الكفاءات التجمعية دعامة أساسية لمسار المستقبل”، ظهر شوكي واثقاً من المسار الذي يسير فيه الحزب، متحدثاً عن “طاقة إيجابية كبيرة” يحملها من جهة بني ملال خنيفرة، ومؤكداً أن الحزب يعيش حالة من التماسك الداخلي والاستقرار التنظيمي غير المسبوق.

لكن ما وراء هذه التصريحات، يكشف عن اشتغال سياسي متواصل داخل العمق الترابي للمغرب.

فالرجل لا يكتفي بالحضور في الرباط أو الدار البيضاء، بل يفضل النزول إلى الأقاليم والمدن المتوسطة والصغيرة، وعقد لقاءات مباشرة مع المنتخبين والمناضلين والأطر المحلية، في محاولة لإعادة بناء جسور الثقة بين الحزب وقواعده الميدانية.

كما أن الحضور الحاشد الذي بات يرافق لقاءاته في عدد من المدن يعكس أن التجمع الوطني للأحرار يواصل الحفاظ على دينامية تنظيمية قوية، رغم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الحكومة.

وفي الوقت الذي اختارت فيه بعض الأطراف السياسية التركيز على مهاجمة الحكومة بشكل يومي، يفضل شوكي الحديث عن الحصيلة والبرامج والمشاريع، معتبراً أن الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش حققت “منجزات غير مسبوقة” في عدد من القطاعات الحيوية.

ويحرص شوكي في مختلف لقاءاته على ربط هذه الإنجازات بالتوجيهات الملكية، سواء ما يتعلق بمشروع الدولة الاجتماعية، أو تعزيز السيادة الوطنية، أو تدبير إشكالية الماء، أو الدفاع عن قضية الصحراء المغربية.

وفي هذا الجانب تحديداً، يبرز الرجل كأحد أكثر الوجوه السياسية داخل الأغلبية انسجاماً مع الخطاب المؤسساتي للدولة، حيث يركز بشكل متكرر على أن الإصلاحات الكبرى التي يعرفها المغرب تتم في إطار الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك محمد السادس.

كما أن حديثه عن الأمن المائي واستقلالية القرار الاقتصادي يعكس محاولة واضحة لتقديم صورة حزب يشتغل بمنطق الدولة وليس بمنطق الحسابات الانتخابية الضيقة.

ويرى متابعون أن القوة الحقيقية لمحمد شوكي لا تكمن فقط في خطابه، بل في قدرته على بناء شبكة تنظيمية هادئة وفعالة داخل الحزب، بعيداً عن الضجيج الإعلامي.

فالرجل لا يدخل في معارك جانبية، ولا يرد على الاستفزازات السياسية بنفس اللغة، بل يواصل التحرك الميداني بشكل مكثف، وكأنه يراهن على أن العمل الصامت أكثر تأثيراً من الصراخ السياسي.

وهذا ما جعل البعض يصفه داخل الأوساط السياسية بـ”الماكينة التنظيمية” التي تتحرك باستمرار دون ضوضاء، لكنها تحقق حضوراً متزايداً داخل المشهد الحزبي.

كما أن تحركاته الأخيرة توحي بأن التجمع الوطني للأحرار بدأ فعلياً مرحلة الإعداد السياسي والتنظيمي للاستحقاقات المقبلة، مستفيداً من شبكة منتخبيه وأطره ومناضليه بمختلف الجهات.

غير أن الرهان الأكبر بالنسبة لشوكي وحزبه لن يكون فقط الحفاظ على القوة التنظيمية، بل أيضاً إقناع المواطنين بأن الخطاب الهادئ والاشتغال المؤسساتي قادران على إنتاج نتائج ملموسة في حياتهم اليومية.

فالمغاربة اليوم ينتظرون حلولاً حقيقية أكثر من انتظارهم للصراعات السياسية و الشعارات الفارغة.

وربما هنا بالضبط يحاول محمد شوكي أن يصنع الفرق: أن يقدم صورة سياسي يشتغل بهدوء، يتحدث بأخلاق، يتحرك كثيراً، ويترك لغة الضجيج للآخرين، في محاولة لترسيخ مرحلة جديدة داخل العمل الحزبي المغربي، عنوانها التنظيم والانضباط والاقتراب من انتظارات المواطن، بعيداً عن الشعبوية والصدامات العقيمة التي أنهكت ثقة جزء من المغاربة في السياسة والأحزاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى