طلبة الطب بالمغرب ينتقدون ارتباك مباراة الإقامة… إصلاحات حكومية مهمة تصطدم بضعف التنسيق والتواصل

عادت أزمة تنزيل إصلاح الدراسات الطبية بالمغرب إلى الواجهة، بعدما عبرت اللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة عن استيائها من الطريقة التي يتم بها تدبير مرحلة حاسمة في مسار التكوين، تتعلق بتنظيم مباراة الإقامة، معتبرة أن ما يجري يكشف عن اختلالات واضحة في التنسيق والتواصل بين مختلف المتدخلين.
وفي بلاغ لها، حذرت اللجنة من حالة “الضبابية” التي تطبع تدبير هذه المباراة، مشيرة إلى أن الطلبة يعيشون وضعاً غير مسبوق من الترقب والقلق، في ظل غياب إعلانات رسمية واضحة بشأن مواعيد تنظيمها أو كيفية تكييفها مع الإصلاحات الجديدة.
وأكدت أن هذا الغموض يضع آلاف الطلبة أمام مصير غير واضح، خاصة وأن مباراة الإقامة تمثل بوابة أساسية للولوج إلى التخصصات الطبية، وبالتالي تحدد بشكل مباشر مستقبلهم المهني.
ومن أبرز النقاط التي أثارت انتقادات الطلبة، ما وصفوه بـ”انعدام التواصل المؤسساتي”، حيث اضطر العديد منهم إلى الاعتماد على معطيات غير رسمية أو تسريبات عبر ممثليهم، بدل الحصول على معلومات دقيقة من الكليات أو الجهات الوصية.
هذا الوضع، بحسب اللجنة، عمّق فجوة الثقة بين الطلبة والإدارة، وزاد من حدة التوتر داخل الوسط الجامعي، في وقت كان يُفترض فيه توفير وضوح تام بالنظر إلى حساسية المرحلة.
قرارات متباينة بين الوزارة والكليات
وسجلت اللجنة ما اعتبرته “تضارباً” في طريقة تدبير الملف، حيث ظهرت تباينات واضحة بين توجهات المصالح المركزية التابعة لـوزارة الصحة والحماية الاجتماعية من جهة، وإجراءات بعض الكليات من جهة أخرى.
ففي الوقت الذي تعمل فيه الوزارة على تنزيل صيغة جديدة لمباراة الإقامة، سارعت بعض الكليات إلى الإعلان عن المباريات وفق النظام القديم، بينما اختارت مؤسسات أخرى نشر مواعيد دون الكشف عن عدد المناصب أو طبيعتها، في انتظار صدور النصوص التنظيمية النهائية.
بالموازاة مع هذه الانتقادات، كشفت اللجنة عن مصادقة الحكومة على مشروع المرسوم رقم 2.26.342، الذي يشكل محطة بارزة في مسار إصلاح التكوين الطبي، ونتيجة مباشرة لمسار تفاوضي طويل، خاصة بعد اتفاق تم التوصل إليه برعاية وسيط المملكة خلال نونبر 2024.
المرسوم الجديد جاء بعدد من المستجدات التي اعتبرها الطلبة مكاسب مهمة، من أبرزها إقرار صفة “الطالب الملاحظ” لفائدة طلبة السنوات الأولى، وهو ما يمنح تداريبهم تأطيراً قانونياً واضحاً لأول مرة في تاريخ التكوين الطبي بالمغرب.
كما تضمن النص إجراءات لتعزيز الحماية الاجتماعية، من خلال تعميم نظام التأمين الإجباري عن المرض (AMO) على الطلبة المتدربين، إلى جانب إلزام المؤسسات الصحية بتوفير تغطية ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية.
ومن بين أبرز الإصلاحات أيضاً، تحديد ساعات العمل بشكل دقيق للطلبة الخارجيين، بما يضع حداً لما كان يوصف سابقاً بـ”العشوائية” في توزيع المهام.
أما الأطباء المقيمون، فقد تم تعزيز وضعهم المهني عبر تصنيفهم منذ السنة الأولى كـ”مهنيي صحة متمرنين”، وهو ما يمنحهم استقراراً إدارياً ومالياً، ويعكس اعترافاً أكبر بدورهم داخل المنظومة الصحية.
المرسوم حمل كذلك مستجدات تتعلق بالمسار المهني للمقيمين، حيث تم تقليص مدة الالتزام تدريجياً لتصل إلى ثلاث سنوات في أفق 2028، مع منحهم حرية أكبر في اختيار مسارهم بين العمل التعاقدي أو التوجه نحو المسار الأكاديمي الجامعي.
كما تم تبسيط مسطرة الاستقالة، عبر اعتماد إشعار مسبق مدته شهران فقط، بدل الإجراءات المعقدة التي كانت محل انتقاد واسع في السابق.
ورغم هذه المكتسبات، شددت اللجنة على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار النصوص، بل في حسن تنزيلها على أرض الواقع، محذرة من أن أي ارتباك في التطبيق قد يفرغ هذه الإصلاحات من مضمونها.
وأكدت أن ما يعيشه الطلبة حالياً من غموض في تنظيم مباراة الإقامة يُعد مثالاً واضحاً على الفجوة بين الرؤية الإصلاحية والتنفيذ الفعلي.
في ختام بلاغها، أكدت اللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة أنها ستواصل تتبع مختلف تفاصيل هذا الورش، معبرة عن استعدادها للتفاعل مع كافة المستجدات، دفاعاً عن ما وصفته بـ”حقوق ومكتسبات الطلبة”.
في المحصلة، يضع هذا الملف الحكومة والجهات الوصية أمام اختبار حقيقي: إما ترجمة الإصلاحات إلى إجراءات واضحة ومنسجمة، أو المخاطرة بإعادة إنتاج نفس الأزمات التي طبعت قطاع التكوين الطبي خلال السنوات الماضية.






