سياسة

فاس بين دينامية المشاريع الكبرى وفشل التدبير الجماعي… مدينة تسير بسرعتين متناقضتين

تعيش مدينة فاس خلال السنوات الأخيرة على وقع مفارقة لافتة، حيث تتقدم بعض الأوراش الكبرى المرتبطة بتأهيل البنية التحتية والاستعدادات الوطنية المرتبطة باستحقاقات كأس العالم 2030، في مقابل تعثر واضح في تدبير عدد من القطاعات المحلية الأساسية، ما يطرح أسئلة عميقة حول حكامة الشأن المحلي وتوزيع المسؤوليات بين المتدخلين.

في جانب من الصورة، يبرز الدور الذي تقوم به ولاية جهة فاس مكناس في الدفع بعدد من المشاريع المهيكلة، التي تندرج ضمن رؤية أوسع لتأهيل المدينة، وتعزيز جاذبيتها الحضرية والاقتصادية، استعداداً لرهانات كبرى على المستوى الوطني والدولي.

وتشمل هذه الأوراش مشاريع مرتبطة بالبنية التحتية، وتحديث بعض المحاور الطرقية، وتأهيل الفضاءات الحضرية، في سياق وُصف بأنه محاولة لإعادة إدماج فاس في دينامية المدن الكبرى الصاعدة.

كما أن هذه الدينامية ترتبط، بشكل غير مباشر، بالتحضيرات الوطنية لاستقبال تظاهرات رياضية كبرى، ما يفرض تسريع وتيرة التأهيل الحضري وتحسين جودة الخدمات.

في المقابل، يوجه عدد من المتتبعين انتقادات حادة إلى المجلس الجماعي لمدينة فاس، الذي يُتهم، وفق قراءات محلية، بعدم مواكبة هذه الدينامية، وبالتأخر في معالجة ملفات أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين.

وتبرز في هذا السياق إشكالات مرتبطة بتدبير قطاع النظافة، الذي لا يزال يعاني من اختلالات واضحة في عدد من الأحياء، حيث تتراكم النفايات بشكل متكرر، ما يؤثر على المشهد العام للمدينة.

كما يُسجل استمرار مشاكل الإنارة العمومية في عدد من المناطق، حيث تعيش بعض الأحياء في ظلام شبه دائم، ما يطرح إشكالات تتعلق بالأمن الحضري وجودة العيش.

ومن بين النقاط الأكثر إثارة للجدل، وضعية الفضاءات الخضراء، حيث تعاني حدائق المدينة من تدهور واضح، سواء من حيث الصيانة أو التجهيز أو النظافة.

وتُعد حديقة أمريكا اللاتينية نموذجاً بارزاً لهذا الوضع، حيث تشير ملاحظات ميدانية إلى وجود كراسي مكسرة، وانتشار الأزبال، وضعف العناية بالأشجار والغطاء النباتي، وهو ما يعكس، حسب متتبعين، غياب رؤية واضحة لتأهيل هذه الفضاءات.

ولا يقتصر الأمر على هذه الحديقة فقط، بل يمتد إلى عدة حدائق أخرى داخل المدينة، تعيش وضعاً مشابهاً من الإهمال والتراجع في مستوى الصيانة.

على مستوى البنية الطرقية، تعاني العديد من أحياء فاس من تدهور واضح في حالة الطرق، حيث تنتشر الحفر العميقة والتشققات في عدد من الشوارع الرئيسية والثانوية، ما يؤثر على حركة السير وجودة التنقل.

ويُشار في هذا السياق إلى بعض النقاط التي أصبحت رمزاً لهذا التدهور، من بينها محيط مسجد خالد بن الوليد بحي بورمانة، حيث تظهر بوضوح آثار ضعف الصيانة وغياب إعادة التهيئة الدورية.

هذا الوضع يثير تساؤلات متزايدة لدى الرأي العام المحلي حول مآل الميزانيات المرصودة لتأهيل البنية التحتية، خاصة تلك المتعلقة ببرامج الإسفلت وإعادة تعبيد الطرق.

كما تُطرح علامات استفهام حول طريقة تدبير ميزانيات المقاطعات المخصصة لاقتناء المواد الأساسية للصيانة الطرقية، في ظل استمرار الوضع المتدهور في عدد من الأحياء.

أمام هذا الواقع، تبدو فاس وكأنها تعيش على إيقاع “مدينتين داخل مدينة واحدة”:
مدينة تتحرك فيها مشاريع استراتيجية كبرى تقودها مؤسسات مركزية وجهوية، وأخرى تعاني من تراكمات تدبير محلي غير متوازن، ينعكس مباشرة على حياة المواطنين اليومية.

هذا التباين يخلق شعوراً عاماً بأن هناك فجوة بين مستوى التخطيط الاستراتيجي ومستوى التدبير اليومي للشأن الحضري.

يحذر متتبعون من أن استمرار هذا الوضع دون تدخلات تصحيحية قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في الخدمات الأساسية، مما سينعكس سلباً على جاذبية المدينة، وعلى جودة عيش سكانها.

كما أن التراكم المستمر للإشكالات في قطاعات النظافة والإنارة والطرق قد يضعف من أثر المشاريع الكبرى الجارية، إذا لم يتم ربطها بإصلاح شامل لمنظومة التدبير المحلي.

في المحصلة، تعكس وضعية فاس اليوم مفارقة واضحة بين دينامية مشاريع كبرى تقودها مؤسسات الدولة، وبين اختلالات في التدبير المحلي تحتاج إلى مراجعة عميقة.

ويبقى التحدي الأساسي هو توحيد إيقاع التنمية داخل المدينة، حتى لا تستمر فاس في العيش على وقع سرعتين متناقضتين، واحدة نحو التحديث، وأخرى نحو التراجع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى