سياسة

حين يقترح الوزير الإستقلالي مزور تحويل “الفراشة” إلى التجارة الإلكترونية… هل نحن أمام سياسة عمومية أم خيال رقمي؟

أعاد وزير الصناعة والتجارة رياض مزور فتح ملف الاقتصاد غير المهيكل من داخل البرلمان، مقدّماً ما وصفه بـ”استراتيجية شاملة” لإدماج الباعة المتجولين. غير أن مضمون هذا الطرح، خصوصاً ما يتعلق بدفع “الفراشة” نحو التجارة الإلكترونية، يكشف عن فجوة صارخة بين الخطاب الرسمي وواقع الشارع المغربي.

من الرصيف إلى الإنترنت… قفزة بلا أرضية

حين يتحدث الوزير عن “بدائل” للبائعين المتجولين، وعلى رأسها إدماجهم في التجارة الإلكترونية، فإن الإشكال لا يكمن في الفكرة بحد ذاتها، بل في سياقها.
الحديث هنا عن فئة تشتغل خارج أي تأطير، بدخل يومي هش، وبدون تغطية اجتماعية، أو تأهيل رقمي، أو حتى استقرار مهني.

فكيف يمكن، عملياً، نقل هذا النشاط من الرصيف إلى منصة رقمية؟
هل يكفي إنشاء “أكثر من 300 منصة” كما قال الوزير، لخلق تحول حقيقي؟
أم أن الأمر لا يتجاوز عرض أرقام لا تعكس الواقع؟

“100 فضاء” لم تُنهِ الظاهرة

الوزير أشار أيضاً إلى توفير “أكثر من 100 فضاء” مخصص لاحتواء الباعة المتجولين.
لكن التجربة الميدانية تقول إن عدداً كبيراً من هذه الفضاءات لم يحقق النتائج المرجوة، إما بسبب ضعف الإقبال، أو سوء التهيئة، أو بعدها عن دينامية السوق الحقيقية.

وهو ما اعترف به الوزير نفسه حين أقر بأن هذه التجارب “متفاوتة”، وأن بعضها لم ينجح.
لكن السؤال الذي يبقى معلقاً:
إذا كانت الحلول السابقة لم تنجح، فما الذي يجعل الحل الرقمي أكثر واقعية؟

تضخم في الحلول… وفراغ في التنفيذ

الخطاب الوزاري بدا غنياً بالمفاهيم:

  • إدماج شامل
  • بدائل رقمية
  • حماية المستهلك
  • تطوير الأداء الإلكتروني

غير أن هذه المفاهيم، رغم أهميتها، تظل بعيدة عن جوهر الإشكال:
البائع المتجول لا يبحث عن منصة رقمية، بل عن مكان يبيع فيه.
ولا يحتاج إلى قانون جديد، بقدر ما يحتاج إلى استقرار يومي.

اعتراف ضمني بالأزمة

الوزير لم يُخفِ وجود “مشاكل جديدة” في التجارة الإلكترونية، من قبيل الإشهار الكاذب وصعوبة التأطير القانوني.
وهنا تتضح المفارقة:
إذا كان القطاع الرقمي نفسه يعاني من اختلالات، فكيف يُقدَّم كحل جاهز لفئة هشة أصلاً؟

الاقتصاد غير المهيكل… نتيجة لا سبب

الطرح الحكومي يتعامل مع “الفراشة” كمشكل يجب حله، بينما الحقيقة أنهم نتيجة مباشرة لاختلالات أعمق:
بطالة، ضعف الإدماج الاقتصادي، وتعقيد الولوج إلى السوق المنظم.

وبالتالي، فإن القفز نحو حلول رقمية دون معالجة هذه الجذور، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس الأزمة بأشكال جديدة.

بين الخطاب والواقع

ما قاله رياض مزور يعكس رغبة في التحديث، لكنه في المقابل يكشف عن تصور نظري أكثر منه عملي.
فالانتقال من الرصيف إلى التجارة الإلكترونية ليس مساراً طبيعياً، بل قفزة تتطلب شروطاً غير متوفرة لدى هذه الفئة.

في نهاية المطاف، يبدو أن الحديث عن إدماج الباعة المتجولين عبر المنصات الرقمية أقرب إلى تصور فوقي، يصعب تنزيله في الواقع الحالي.
فالاقتصاد غير المهيكل لا يُحل بتطبيقات، ولا يُدمج بشعارات، بل بسياسات واقعية تنطلق من الميدان لا من المنصات.

وإلى أن يتم ذلك، سيبقى “الفراشة” في مكانهم… على الرصيف، لا على الإنترنت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى