قضية طالبة بفاس تُسقط حكماً ابتدائياً… براءة عميد شرطة من تهم ثقيلة في المرحلة الاستئنافية

أسدلت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بـفاس، مساء الثلاثاء، الستار مؤقتاً على واحدة من القضايا التي أثارت نقاشاً واسعاً، بعد أن قضت ببراءة عميد شرطة من تهم جنائية ثقيلة، كانت قد أدين بها في المرحلة الابتدائية.
الهيئة القضائية، برئاسة القاضي عز العرب أمزيان، قررت عدم مؤاخذة المتهم من كافة الأفعال المنسوبة إليه، والتصريح ببراءته، في تحول بارز مقارنة بالحكم الابتدائي الذي سبق أن أدانه بعد إعادة تكييف الوقائع، وقضى في حقه بعقوبة سالبة للحرية.
هذا القرار أعاد الملف إلى واجهة النقاش، خاصة بالنظر إلى حساسية التهم التي شملها، وطبيعة الوقائع المرتبطة بعلاقة بين مسؤول أمني وطالبة جامعية.
ترجع فصول القضية إلى سنة 2020، حين تقدمت طالبة بشكاية لدى مصالح الشرطة بشأن سرقة هاتفها المحمول. وخلال مراحل البحث، نشأ تواصل بينها وبين عميد الشرطة المكلف بالملف، قبل أن تتطور العلاقة لاحقاً خارج الإطار المهني.
وبحسب المعطيات التي تم تداولها خلال التحقيق، فإن الطالبة صرحت بأنها كانت تعيش وضعاً اجتماعياً صعباً، وهو ما جعلها تتقبل عروض المساعدة التي قدمها لها المعني بالأمر، لتتحول العلاقة إلى لقاءات متكررة.
الطالبة أكدت خلال أطوار المسطرة أن العلاقة شهدت تطورات سريعة، تخللتها وعود بالدعم والمساندة، قبل أن تنتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً، خاصة بعد انتقالها رفقة المعني بالأمر إلى أحد المنازل بضواحي إيموزار كندر.
وأفادت، وفق تصريحاتها، بأن العلاقة استمرت لفترة، قبل أن تكتشف مؤشرات حمل، ما أدخل الملف في منعطف جديد، جمع بين معطيات اجتماعية وطبية وقانونية.
في سياق تطورات القضية، تم التوجه إلى مؤسسات صحية لإجراء فحوصات، حيث برزت معطيات مرتبطة بالحمل، قبل أن تتحدث الطالبة عن تلقيها أدوية أدت لاحقاً إلى نزيف، اعتبرته مرتبطاً بإنهاء الحمل.
كما شمل الملف متابعة ممرضة، قبل أن يتم تبرئتها في المرحلة الابتدائية من التهم المرتبطة بالإجهاض.
المحكمة الابتدائية كانت قد انتهت إلى إدانة المتهم من أجل جناية الاغتصاب بعد إعادة تكييف الأفعال، وقضت بسنتين حبسا نافذاً، إلى جانب تعويض مدني لفائدة الطالبة قدره 40 ألف درهم.
غير أن هذا الحكم لم يُكتب له الاستمرار، بعدما أعادت محكمة الاستئناف تقييم الملف، لتنتهي إلى نتيجة مغايرة تماماً.
التباين بين الحكمين الابتدائي والاستئنافي أعاد طرح تساؤلات حول معايير الإثبات في القضايا الجنائية الحساسة، خاصة تلك التي تتداخل فيها العلاقات الشخصية مع الاتهامات الجنائية.
كما يسلط الضوء على السلطة التقديرية للمحاكم في تقييم الوقائع، وإمكانية إعادة تكييفها بناءً على ما يتوفر من عناصر الإثبات.
القضية، بما تحمله من تفاصيل معقدة، تندرج ضمن الملفات التي تثير نقاشاً مجتمعياً وقانونياً حول حدود المسؤولية، وطبيعة العلاقات التي قد تنشأ خارج الأطر المهنية، وانعكاساتها القانونية.
كما تعكس أهمية ضمان التوازن بين حماية الأفراد من أي استغلال محتمل، وضمان شروط المحاكمة العادلة القائمة على قرينة البراءة وتقييم الأدلة بشكل دقيق.
في المحصلة، يبرز هذا الملف كأحد النماذج التي تعكس تعقيد القضايا الجنائية ذات البعد الإنساني، حيث تتقاطع المعطيات الاجتماعية والقانونية، في انتظار ما ستؤول إليه فصوله النهائية ضمن المسار القضائي.






