رياضة

شغب الملاعب بالمغرب يعود إلى الواجهة: أحداث خطيرة في “كلاسيكو” الرجاء الرياضي والجيش الملكي تكشف أعطاب المنظومة

شهدت مباراة “الكلاسيكو” التي جمعت بين فريقي الرجاء الرياضي والجيش الملكي على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، مساء الخميس، انفلاتاً خطيراً في السلوك الجماهيري، حيث تحولت مدرجات يفترض أن تكون فضاءً للفرجة الرياضية إلى بؤرة توتر وعنف، في مشهد أعاد إلى الواجهة بقوة إشكالية شغب الملاعب بالمغرب، وطرح تساؤلات عميقة حول مسؤوليات مختلف المتدخلين في تأطير وضبط هذا الفضاء الجماهيري الحساس.

انفلات غير مسبوق: من المدرجات إلى استهداف المرافق الحيوية

المعطيات المتداولة حول ما جرى خلال هذه المواجهة تشير إلى أن الأمر لم يقتصر على مناوشات أو احتكاكات عادية بين الجماهير، بل تجاوز ذلك إلى أعمال تخريب طالت مرافق داخل الملعب، من بينها منصة الصحافة التي تعرضت للاقتحام والتكسير، في سلوك يهدد سلامة الصحافيين ويضرب في العمق مبدأ حرية التغطية الإعلامية للأحداث الرياضية، وهو ما يعكس درجة خطيرة من الانفلات وفقدان السيطرة داخل بعض المدرجات.

كما تحدثت مصادر متطابقة عن تسجيل حالات رشق مكثف بالمقذوفات، واستعمال أدوات حادة في بعض الاشتباكات، وهي مؤشرات مقلقة على تسرب ممارسات خطيرة إلى الفضاء الرياضي، تتجاوز بكثير منطق التشجيع أو حتى الاحتجاج، لتقترب من أنماط عنف منظمة أو شبه منظمة، وهو ما يفرض قراءة دقيقة لهذه الظاهرة من زاوية أمنية ومجتمعية في آن واحد.

الاعتداء على القوات العمومية: تجاوز للخطوط الحمراء

من أخطر ما تم تسجيله خلال هذه الأحداث، هو الاعتداء على عناصر القوات العمومية التي تدخلت لاحتواء الوضع داخل الملعب، حيث وُثقت حالات مواجهة مباشرة بين بعض الجماهير وعناصر الأمن، في سلوك يعكس تصعيداً غير مسبوق، وينذر بتحول خطير في طبيعة العلاقة بين الجماهير والمؤسسات المكلفة بحفظ النظام.

هذا المعطى يكتسي حساسية خاصة، لأن استهداف القوات العمومية لا يُفهم فقط في سياق مباراة كرة قدم، بل يطرح إشكالاً أعمق يتعلق بمدى احترام القانون والضوابط داخل الفضاءات العمومية، ويستدعي بالتالي مقاربة حازمة ومتوازنة في الآن ذاته، تجمع بين الردع القانوني والمعالجة الوقائية.

كيف وصلت الأسلحة البيضاء إلى المدرجات؟

واحدة من النقاط التي أثارت جدلاً واسعاً عقب هذه الأحداث، هي مسألة إدخال أسلحة بيضاء إلى داخل الملعب، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول فعالية إجراءات التفتيش والمراقبة عند مداخل الملاعب، وحول وجود ثغرات تنظيمية قد تسمح بمرور مثل هذه الأدوات الخطيرة.

هذا المعطى يعيد النقاش إلى مستوى التنظيم اللوجستي للمباريات الكبرى، حيث يفترض أن تكون هناك بروتوكولات صارمة لتأمين الجماهير، تشمل التفتيش الدقيق، واعتماد تقنيات حديثة للكشف، إضافة إلى توزيع محكم للجماهير داخل المدرجات، بما يحد من احتمالات الاحتكاك المباشر.

الإلتراس بين التأطير والانزلاق

لا يمكن قراءة ما حدث دون التوقف عند دور مجموعات الإلتراس، التي تعتبر الفاعل الأساسي داخل المدرجات، حيث لعبت هذه المجموعات عبر سنوات دوراً محورياً في تأطير الجماهير وصناعة الفرجة، لكنها تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على ضبط قواعدها ومنع انزلاق بعض الأفراد نحو العنف.

المفارقة أن الإلتراس، التي تُقدم نفسها كإطار منظم، قد تتحول في غياب التنسيق مع الأندية والسلطات إلى فضاء يصعب التحكم فيه، خاصة عندما تغيب قنوات التواصل الرسمية، أو عندما تتغلب منطق المواجهة على منطق التأطير، وهو ما يستدعي إعادة تعريف هذا الدور ضمن مقاربة تشاركية واضحة المعالم.

أعطاب الحكامة داخل الأندية: غياب استراتيجية التأطير

تكشف هذه الأحداث مرة أخرى عن ضعف الحكامة داخل عدد من الأندية المغربية، التي لا تولي أهمية كافية لتدبير علاقتها مع جماهيرها، حيث يغيب في كثير من الحالات تصور واضح لكيفية التأطير والتواصل، ويتم التعامل مع الجماهير بشكل ظرفي أو موسمي، دون استثمار حقيقي في بناء علاقة مستدامة قائمة على الثقة والمسؤولية.

في المقابل، تظهر تجارب دولية أن الأندية التي تعتمد مقاربة احترافية في تدبير جماهيرها، من خلال إنشاء خلايا خاصة بالعلاقة مع المشجعين، وتنظيم أنشطة توعوية، وإشراك الإلتراس في القرارات التنظيمية، تنجح بشكل أكبر في الحد من مظاهر الشغب، وتحويل المدرجات إلى فضاء منظم وآمن.

الظاهرة في بعدها الاجتماعي: كرة القدم كمرآة للاحتقان

لا يمكن فصل شغب الملاعب عن السياق الاجتماعي العام، حيث تعكس هذه الظاهرة في كثير من الأحيان حالة من الاحتقان لدى فئات من الشباب، الذين يجدون في المدرجات متنفساً للتعبير عن الغضب أو الإحباط، خاصة في ظل صعوبات اقتصادية واجتماعية متزايدة.

في هذا الإطار، تتحول المباراة من مجرد حدث رياضي إلى فضاء لتفريغ التوتر، وهو ما يفسر أحياناً سرعة تحول الأجواء من الحماس إلى العنف، ويؤكد أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل يجب أن تشمل أبعاداً تربوية وثقافية واجتماعية.

نحو مقاربة شمولية: كيف يمكن تفادي التكرار؟

إن تكرار مثل هذه الأحداث يفرض التفكير في حلول جذرية تتجاوز المعالجات الظرفية، حيث تبرز الحاجة إلى مقاربة شمولية تقوم على عدة محاور متكاملة، تشمل أولاً تشديد المراقبة والتنظيم داخل الملاعب عبر اعتماد تقنيات حديثة وتكوين الموارد البشرية المكلفة بالتأمين، وثانياً تفعيل القوانين بشكل صارم وعادل في حق كل المتورطين في أعمال العنف، بما يضمن الردع دون انتقائية.

كما تبرز أهمية الاستثمار في الثقافة الرياضية، من خلال إدماج قيم الروح الرياضية والتسامح في البرامج التربوية، وتشجيع المبادرات التي تعزز صورة الملاعب كفضاء للفرجة، وليس كساحة للصراع، إضافة إلى ضرورة إعادة الاعتبار لدور الإلتراس كشريك في التأطير، عبر فتح قنوات حوار مؤسساتية تضمن إشراكهم في الحل بدل إقصائهم.

إنذار حقيقي لكرة القدم المغربية

ما جرى في ملعب مولاي عبد الله ليس حادثاً معزولاً، بل يمثل إنذاراً حقيقياً لمنظومة كرة القدم المغربية، التي تجد نفسها أمام تحدي استعادة السيطرة على مدرجاتها، وضمان أمن وسلامة كل المتدخلين، من جماهير ولاعبين وصحافيين وعناصر أمن.

وبين الحاجة إلى الحزم في تطبيق القانون، وضرورة معالجة الجذور العميقة للظاهرة، يبقى الرهان الأكبر هو إعادة بناء الثقة داخل الفضاء الرياضي، حتى تستعيد الملاعب دورها الطبيعي كفضاء للمتعة والتنافس الشريف، بعيداً عن كل مظاهر العنف والانفلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى