فاس تُبهر لجنة “الفيفا” وتؤكد جاهزيتها … العاصمة العلمية تعزز حظوظها لاحتضان مونديال 2030 بقيادة ميدانية قوية

في لحظة مفصلية من مسار التحضيرات المغربية لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030، تحولت مدينة فاس اليوم السبت(28 مارس 2026)، إلى قبلة أنظار الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، بعد استقبالها وفدًا تقنيًا رفيع المستوى مكونًا من 16 خبيرًا دوليًا، في زيارة تفقدية دقيقة لاختبار مدى جاهزية العاصمة العلمية للدخول رسميًا ضمن المدن المحتضنة لهذا الحدث الكوني. ولم تكن هذه الزيارة مجرد محطة تقنية، بل شكلت اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة فاس على الجمع بين متطلبات التنظيم العصري وسحرها التاريخي العريق، في مشهد يعكس تحوّلًا عميقًا تعيشه المدينة على كافة المستويات.
منذ لحظة وصول الوفد إلى مطار فاس سايس، بدا واضحًا أن البرنامج سيكون مكثفًا ودقيقًا، حيث تم نقل أعضاء اللجنة إلى مقر إقامتهم بأحد الفنادق المصنفة، قبل الانطلاق في سلسلة اجتماعات تقنية وعروض مفصلة، تعكس حجم الرهان الذي تضعه المملكة على هذه المحطة. فقد خُصص الاجتماع الأول لتقديم شامل للمدينة، حيث عرضت اللجنة المحلية ملف فاس بكل مكوناته، من البنية التحتية إلى الرؤية الاستراتيجية، مرورًا بالقدرة الإيوائية ومشاريع النقل والتنقل.
الاجتماع الموسع، الذي جمع مسؤولي ولاية جهة فاس مكناس، وممثلي الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى جانب مؤسسة مغرب كأس العالم 2030، لم يكن مجرد عرض بروتوكولي، بل شكل لحظة تقييم دقيقة، حيث ركز خبراء “الفيفا” على تفاصيل دقيقة تشمل جودة الملاعب، جاهزية البنيات التحتية، سلاسة التنقل، الطاقة الفندقية، وحتى الجوانب الأمنية والتنظيمية، وهي معايير صارمة يعتمدها الاتحاد الدولي في اختيار المدن المضيفة.
وفي قلب هذه الدينامية، برز دور والي الجهة خالد آيت طالب، الذي قاد، من موقعه، عملية تنسيق ميدانية دقيقة بين مختلف المتدخلين. اللقاء الذي جمعه بوفد “الفيفا” بمقر الولاية لم يكن مجرد استقبال رسمي، بل شكل لحظة تواصل مباشر، حيث تم تقديم معطيات دقيقة حول تقدم الأشغال، والرهانات المستقبلية. وتشير معطيات متطابقة إلى أن أعضاء اللجنة عبروا عن ارتياحهم لأسلوب الحكامة المعتمد، خاصة ما يتعلق بسرعة تنزيل المشاريع والتتبع الميداني اليومي، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة الإنجاز بشكل لافت.
غير أن ما ميّز هذه الزيارة وأعطاها بعدًا استثنائيًا، لم يكن فقط داخل قاعات الاجتماعات، بل في اللحظة التي خرج فيها الوفد إلى قلب المدينة العتيقة لفاس. هناك، تغيرت لغة التقييم من أرقام وتقارير إلى انبهار صريح. عند مدخل باب أبي الجنود، توقف أعضاء الوفد لالتقاط صور “السيلفي”، في مشهد عفوي يعكس قوة التأثير الرمزي للمكان. لم يكن ذلك مجرد توقف عابر، بل لحظة اعتراف ضمني بأن فاس تمتلك ما لا يمكن قياسه بالمعايير التقنية: روح التاريخ.
في أزقة المدينة العتيقة، حيث تمتد الذاكرة لأكثر من 12 قرنًا، انغمس أعضاء اللجنة في تفاصيل حضارة متراكمة: مدارس علمية عتيقة، معالم دينية، حرف تقليدية، وأسواق تنبض بالحياة. وقد نقلت مصادر مواكبة أن بعض أعضاء الوفد أبدوا دهشتهم من هذا التمازج الفريد بين الأصالة والاستمرارية، معتبرين أن فاس تقدم قيمة مضافة استثنائية لأي تظاهرة عالمية، لأنها لا تقدم فقط ملاعب، بل تجربة حضارية و ثقافية ودينية وإنسانية متكاملة.
هذا البعد الحضاري تزامن مع عرض تقني دقيق لمؤهلات المدينة الرياضية، خاصة خلال زيارة المركب الرياضي لفاس، الذي يشكل حجر الزاوية في ملف ترشيح المدينة. الملعب، الذي تصل طاقته الحالية إلى حوالي 45 ألف متفرج، يخضع لبرنامج تأهيل طموح يهدف إلى رفع طاقته وتحديث مرافقه وتغطية مدرجاته بالكامل وفق المعايير الدولية، بما يضمن تحسين تجربة الجماهير وتوفير شروط الراحة والسلامة.
كما شملت العروض المقدمة للوفد مشاريع مهيكلة كبرى، من بينها تطوير منظومة النقل الحضري عبر اقتناء حافلات جديدة، وتأهيل الشبكة الطرقية، وإحداث محطة طرقية حديثة، إلى جانب مشروع تحسين الربط السككي بين فاس والرباط عبر قطارات سريعة تفوق 160 كلم في الساعة. وقد اختار وفد “الفيفا” بنفسه اختبار هذه المنظومة، من خلال التنقل عبر القطار نحو الرباط، في خطوة تعكس جدية التقييم وواقعيته.
وفي الجانب الجوي، حظي مشروع توسعة مطار فاس سايس باهتمام خاص، حيث يرتقب أن تصل طاقته إلى 5 ملايين مسافر سنويًا، ضمن رؤية تهدف إلى جعل فاس بوابة سياحية دولية قادرة على استيعاب التدفقات المرتقبة. كما تم عرض برنامج طموح لتطوير القطاع الفندقي، يهدف إلى رفع الطاقة الإيوائية إلى آلاف الغرف المصنفة، بما يواكب متطلبات حدث عالمي بهذا الحجم.
ولم تغب البنية الصحية عن هذا التقييم، حيث تم إبراز دور المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني في تعزيز الجاهزية الطبية، في إطار رؤية شمولية تضع سلامة الزوار ضمن الأولويات.
و إنبهر المراقبون، بتسريع وتيرة بعض الأوراش ومعالجة اختلالات حضرية سابقة و كذلك إندهاشهم بالتغيير الجذري لبعض الطرقات و الشوارع ، فإن الانطباع العام الذي خلفته الزيارة كان إيجابيًا، حيث سجل الوفد تطورًا ملحوظًا مقارنة بزيارات سابقة، خاصة في ما يتعلق بتأهيل الشوارع، تحسين الإنارة العمومية، وتوسيع المساحات الخضراء، إلى جانب تسريع إنجاز المشاريع الكبرى.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل مؤسساتي تقوده شركات جهوية مثل شركة فاس الجهة للتهيئة و تنضاف اليها شركة فاس الجهة للرياضة التي اسست سابقا ، التي أصبحت أدوات تنفيذ فعالة في تنزيل المشاريع، مستفيدة من دعم السلطات وتنسيقها المستمر.
في المحصلة، لم تكن زيارة “الفيفا” إلى فاس مجرد جولة تفقدية، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لقدرة المدينة على الانتقال من موقع “مدينة تاريخية” إلى “مدينة عالمية” قادرة على احتضان أكبر التظاهرات. وبين دقة العروض التقنية وسحر المدينة العتيقة، بدا واضحًا أن فاس لا تراهن فقط على البنية التحتية، بل على هويتها العميقة، تلك التي تجعل كل زائر—حتى خبراء “الفيفا”—يقف مبهورًا عند بابها… ويلتقط صورة، قبل أن يحمل معه حكاية لا تُنسى.






