رياضة

فاس على إيقاع المونديال… مدينة التاريخ تُعيد رسم ملامحها استعداداً لكأس العالم 2030…حين تتحول مدينة 12 قرناً إلى منصة عالمية لتلاقي الحضارات و الثقافات و تعايش الديانات

 ليست مجرد مدينة عتيقة تتكئ على مجدها التاريخي، بل ورش استراتيجي مفتوح يعيد تشكيل ذاته استعداداً لاحتضان العالم في أفق كأس العالم 2030. إنها لحظة مفصلية تعيشها فاس، حيث يتقاطع التاريخ العميق مع رهانات المستقبل، في مشروع حضري شامل يعيد تعريف المدينة كقطب دولي للثقافة والتنقل والاقتصاد.

ثورة في النقل الحضري… من الازدحام إلى الانسيابية

في قلب هذا التحول، يبرز ملف النقل الحضري كأولوية قصوى. فقد انطلقت فعلياً عملية إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التنقل داخل المدينة، تقوم على تعزيز أسطول الحافلات وإدخال نماذج حديثة، في أفق إرساء نظام نقل أكثر فعالية واستدامة .

ولا تقف الرؤية عند حدود الحافلات، بل تتجه نحو مشاريع مهيكلة من قبيل “الباصواي” (Busway)، الذي يُرتقب أن يُحدث نقلة نوعية في ربط أحياء المدينة وتخفيف الضغط عن المحاور الطرقية الكبرى، بما يواكب المعايير الدولية للمدن المستضيفة للتظاهرات الكبرى .

نحو ربط فاس بشبكة القطارات السريعة

أما على مستوى النقل السككي، فإن المغرب يدخل مرحلة جديدة من التحديث عبر استثمارات ضخمة تناهز 96 مليار درهم لتطوير الشبكة الحديدية، مع توسيع خدمات القطارات السريعة وربط المدن الكبرى ضمن رؤية وطنية متكاملة .

وفي هذا السياق، تبرز فاس كحلقة استراتيجية ضمن هذا التحول، في أفق تعزيز الربط السككي عالي السرعة، وتقليص زمن التنقل، وفتح آفاق اقتصادية وسياحية غير مسبوقة، خاصة مع التوجه نحو تعميم الشبكة لتشمل عدداً أكبر من المدن المغربية.

مطار فاس سايس… بوابة دولية في طور التحول

واحدة من أبرز الأوراش الكبرى التي تعيش على وقعها المدينة هي توسعة مطار فاس سايس، الذي يشهد مشروعاً طموحاً يهدف إلى رفع طاقته الاستيعابية من حوالي مليوني مسافر إلى خمسة ملايين مسافر سنوياً .

هذا المشروع، الذي تصل كلفته إلى مئات الملايين من الدراهم، لا يقتصر على التوسعة فقط، بل يشمل بناء محطة جوية جديدة بمواصفات دولية، وتحسين جودة الخدمات، وتطوير البنيات اللوجستية، بما يعزز موقع فاس كبوابة جوية رئيسية بين أوروبا وإفريقيا .

كما يندرج هذا الورش ضمن رؤية وطنية أوسع “مطارات 2030”، التي تسعى إلى رفع الطاقة الاستيعابية للمطارات المغربية إلى 80 مليون مسافر سنوياً، في إطار الاستعداد للرهانات السياحية والاقتصادية الكبرى .

تأهيل المركبات الرياضية… جاهزية في مستوى الحدث

بالتوازي مع ذلك، تتجه الأنظار إلى إعادة تأهيل المركب الرياضي بفاس، ليواكب المعايير الدولية المعتمدة من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم، سواء من حيث الطاقة الاستيعابية، أو جودة المرافق، أو شروط السلامة والراحة.

هذا الورش لا يتعلق فقط بكرة القدم، بل يشكل جزءاً من رؤية أوسع لتطوير البنيات الرياضية، وجعلها فضاءات متعددة الوظائف قادرة على احتضان التظاهرات الكبرى وتنشيط الحياة الاقتصادية للمدينة.

فاس… 12 قرناً من الحضارة في خدمة المستقبل

ما يمنح فاس قوة استثنائية في هذا الرهان، ليس فقط حجم الاستثمارات، بل عمقها الحضاري. فهذه المدينة، التي تمتد جذورها لأكثر من 12 قرناً، ليست مجرد فضاء عمراني، بل هي رمز لتلاقح الحضارات، وتعايش الديانات السماوية، ومنارة للعلم والثقافة.

من جامعة القرويين، أقدم جامعة في العالم، إلى أزقة المدينة العتيقة، حيث تتقاطع التأثيرات الأندلسية والإفريقية والعربية، تقدم فاس نموذجاً فريداً لمدينة تحمل ذاكرة الإنسانية، وتستعد في الآن ذاته لاستقبال العالم.

قيادة ميدانية… وسلطات في قلب الأوراش

هذا التحول لم يكن ليتحقق لولا المتابعة اليومية والدقيقة من طرف سلطات جهة فاس مكناس، التي تقود دينامية ميدانية قائمة على تسريع وتيرة الإنجاز، وحل الإشكالات المرتبطة بالمشاريع، وضمان احترام الآجال.

الزيارات الميدانية المتواصلة، وتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، يعكسان إرادة واضحة لجعل فاس في مستوى الحدث العالمي، وتحويل التحدي إلى فرصة تاريخية لإعادة تموقع المدينة على الصعيد الدولي .

فاس… حين يصبح التاريخ مشروعاً للمستقبل

إن ما تعيشه فاس اليوم ليس مجرد تأهيل حضري، بل إعادة صياغة شاملة لهوية مدينة اختارت أن تعانق المستقبل دون أن تتخلى عن روحها.

فاس ليست فقط مدينة تستعد لكأس العالم… بل مدينة تستعد لتقول للعالم:
هنا يلتقي التاريخ بالحلم، وهنا تتحول الحضارة إلى قوة ناعمة، وهنا يُصنع المستقبل من عمق الماضي.

وفي أفق 2030، تبدو فاس أكثر من جاهزة… تبدو مدينة تستعيد مكانتها الطبيعية كعاصمة للروح، وملتقى للحضارات، وبوابة مغربية نحو العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى