سياسة

“الكاف” يحسم الجدل ويمنح المغرب اللقب: كرة القدم الإفريقية بين سيادة القانون ومحاولات التسييس

في قرار استئنافي وُصف بالحاسم، أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم منح لقب كأس إفريقيا للمنتخب المغربي، على خلفية ما اعتبره خروقات جسيمة رافقت المباراة النهائية أمام منتخب السنغال لكرة القدم، في واحدة من أكثر النهايات إثارة للجدل في تاريخ المنافسة القارية.

القرار لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى تقارير رسمية وثّقت أحداثاً غير رياضية، من بينها التشويش على سير اللقاء، والاحتجاج المبالغ فيه على قرارات تحكيمية، وصولاً إلى سلوكات أثرت بشكل مباشر على مجريات المباراة، بما في ذلك لحظات حساسة كتنفيذ ضربة جزاء. وهي ممارسات رأت فيها الأجهزة المختصة داخل “الكاف” خرقاً واضحاً لقوانين اللعبة، ما استدعى تدخلاً حازماً لإعادة الأمور إلى نصابها.

غير أن ما أعقب هذا القرار كشف أن القضية لم تعد رياضية خالصة، بل تحولت إلى مادة دسمة للتأويلات السياسية والإعلامية، في سياق إقليمي مشحون. فقد سارعت بعض الأطراف، وفي مقدمتها الجزائر، إلى الدفع بخطاب تصعيدي، ساعية إلى ربط القرار بسياقات تتجاوز المستطيل الأخضر، ومحاولة تأجيج الرأي العام الإفريقي ضد المغرب، في خطوة يراها متتبعون امتداداً لصراع سياسي يتم تصديره إلى المجال الرياضي.

هذا المنحى يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل كرة القدم الإفريقية: هل ستظل مجالاً للتنافس الشريف، أم ستتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الدول؟ خصوصاً وأن مؤشرات التسييس بدأت تطفو على السطح بشكل مقلق، مع توظيف بعض المنابر الإعلامية للخطاب الرياضي في تغذية الانقسام.

في المقابل، يظل الموقف الرسمي المغربي متشبثاً بمنطق القانون والمؤسسات، مع التأكيد على أن القرار يدخل ضمن صلاحيات “الكاف”، وأن أي طعن فيه يجب أن يمر عبر القنوات القانونية، وعلى رأسها محكمة التحكيم الرياضي، التي تبقى الجهة المخول لها البت النهائي في مثل هذه النزاعات.

أما على مستوى العلاقات الثنائية، فإن الرهان الأكبر اليوم هو تفادي السقوط في فخ التوتر بين المغرب والسنغال. فالبلدان يرتبطان بشراكة استراتيجية وتاريخ طويل من التعاون، ولا يمكن لمباراة كرة قدم—مهما كانت أهميتها—أن تهز هذه الروابط. من هنا، تبرز أهمية تحلي باسيرو ديوماي فاي، رئيس السنغال، بالحكمة السياسية، وعدم الانجرار وراء دعوات التصعيد التي تسعى إلى خلق شرخ بين شعبين شقيقين.

إن كأس إفريقيا، في جوهرها، ليست مجرد بطولة، بل مناسبة لتعزيز التقارب بين الشعوب الإفريقية، خاصة في بلد مثل المغرب الذي احتضن التظاهرة في أجواء تنظيمية أشاد بها المتابعون، وفتح أبوابه للأفارقة دون تمييز، في تجسيد حي لروح الانتماء القاري المشترك.

وفي هذا الإطار، تبدو الدعوات إلى التعقل والاحتكام إلى الروح الرياضية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالكؤوس تبقى عابرة، بينما العلاقات بين الدول هي الرصيد الحقيقي الذي يجب الحفاظ عليه. كما أن القارة الإفريقية، وهي مقبلة على استحقاقات كبرى، لا تحتمل مزيداً من الانقسامات التي قد تعرقل مسارها نحو التكامل.

لقد أثبتت هذه الأزمة أن التحدي لم يعد فقط في تنظيم البطولات أو الفوز بها، بل في القدرة على تدبير الخلافات بروح مؤسساتية، بعيداً عن الشعبوية والانفعال. وبين قرار “الكاف” واحتمال اللجوء إلى “الطاس”، يبقى الأمل معقوداً على أن تنتصر في النهاية قيم العدالة الرياضية، وأن تعود كرة القدم إلى دورها الطبيعي كجسر للتواصل، لا كأداة للصراع.

في المحصلة، ما جرى ليس نهاية المطاف، بل لحظة اختبار حقيقية لمدى نضج المنظومة الكروية الإفريقية، وقدرتها على الفصل بين الرياضة والسياسة. فإما أن تكون هذه الواقعة نقطة تحول نحو ترسيخ دولة القانون داخل الملاعب، أو بداية انزلاق نحو تسييس مفرط قد يفقد اللعبة جوهرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى