فاس تدخل مرحلة التأهيل الاستباقي: محيط قصبة مولاي الحسن يتحول إلى فضاء أخضر مفتوح على المستقبل

تشهد مدينة فاس خلال الأسابيع الأخيرة دينامية ميدانية غير مسبوقة، عنوانها العريض: التأهيل الاستباقي وإعادة الاعتبار للفضاءات التاريخية وتحويلها إلى متنفسات حضرية حديثة تحترم الذاكرة وتستجيب لحاجيات الساكنة. وفي قلب هذه التحولات، برز مشروع تأهيل محيط قصبة مولاي الحسن، باعتباره ورشاً استراتيجياً يجمع بين صيانة الموروث العمراني وإعادة توظيفه في التنمية المحلية.
العملية انطلقت مع بداية شهر رمضان، في خطوة رمزية تعكس إرادة السلطات المحلية في إعطاء انطلاقة جديدة لعدد من المشاريع المهيكلة، بعد أن كانت أسوار القصبة قد خضعت لعملية ترميم دقيقة همّت تعزيز بنيتها والحفاظ على طابعها المعماري الأصيل. واليوم، ينتقل الورش إلى مرحلة ثانية أكثر شمولاً، ترتكز على تأهيل المحيط الخارجي وتحويله إلى فضاء أخضر عصري ومندمج.
رؤية ميدانية يقودها والي الجهة
ويقود هذه الدينامية والي جهة فاس مكناس، خالد آيت الطالب، من خلال إشراف مباشر على زيارات ميدانية متواصلة لعدد من الأوراش المفتوحة عبر المدينة. هذه المقاربة الميدانية تعكس توجهاً واضحاً نحو تسريع وتيرة الإنجاز وضمان جودة الأشغال، مع الحرص على التنسيق بين مختلف المتدخلين.
المشروع لا يقتصر على تهيئة بسيطة للمحيط، بل يشمل إعادة تصور شاملة للفضاء المحيط بالقصبة، عبر إحداث مساحات خضراء واسعة، وغرس أشجار ونباتات ملائمة للمناخ المحلي، وتهيئة ممرات للراجلين، إلى جانب تثبيت ملاعب للقرب لفائدة الشباب والأطفال، بما يعزز البعد الاجتماعي للمشروع.
كما تشمل الأشغال تقوية شبكة الإنارة العمومية، عبر اعتماد تجهيزات حديثة ذات نجاعة طاقية، ما يساهم في تحسين السلامة والأمن الليلي ويمنح الفضاء بعداً جمالياً يليق بمكانته التاريخية.
شركة فاس الجهة للتهيئة في قلب الأوراش
وقد أُوكلت مهمة إنجاز الأشغال إلى شركة فاس الجهة للتهيئة، باعتبارها الذراع التقنية المكلفة بتنزيل عدد من المشاريع الحضرية الكبرى بالمدينة. وتعمل الشركة حالياً على عدة أوراش متزامنة، تشمل تهيئة ساحات عمومية، وإعادة تأهيل شوارع رئيسية، وتحسين البنية التحتية بعدد من الأحياء.
دور الشركة يتجاوز التنفيذ التقني إلى ضمان احترام المعايير المعمارية والجمالية التي تميز فاس كمدينة تاريخية عريقة، حيث يجري العمل على تحقيق توازن دقيق بين الحداثة والحفاظ على الطابع التراثي.
قصبة مولاي الحسن… ذاكرة تتجدد
تُعد قصبة مولاي الحسن إحدى المعالم التاريخية البارزة في فاس، وتجسد جزءاً من الذاكرة العمرانية للمغرب. وبفضل عمليات الترميم التي شملت أسوارها مؤخراً، تم تعزيز بنيتها والحفاظ على ملامحها الأصلية، في انتظار استكمال مشروع أوسع قد يشمل ترميماً شاملاً لفضاءاتها الداخلية، مع الحفاظ على هويتها ومبانيها التاريخية.
وتتطلع السلطات إلى تحويل القصبة، بعد تأهيل محيطها واستكمال أشغالها الداخلية، إلى مزار سياحي متميز، ومسرح مفتوح لتنظيم مختلف الأنشطة الثقافية والفنية بالهواء الطلق، من عروض موسيقية ومهرجانات تراثية إلى معارض وأنشطة شبابية.
هذا التوجه ينسجم مع رؤية تروم إعادة الاعتبار للفضاءات التاريخية عبر إدماجها في الدورة الاقتصادية والثقافية للمدينة، بدل أن تظل معالم جامدة خارج الزمن.
أوراش متعددة تعيد رسم ملامح المدينة
مشروع تأهيل محيط قصبة مولاي الحسن ليس حالة معزولة، بل يأتي ضمن سلسلة من الأشغال الجارية بمختلف أرجاء فاس. فهناك إعادة تهيئة لعدد من الساحات العمومية التي ظلت لسنوات تعاني من الإهمال، إلى جانب إصلاح شبكات الطرق وتقوية البنيات التحتية، وتحسين التشوير الطرقي، وتأهيل محيط المؤسسات التعليمية.
كما تعرف بعض الأحياء عمليات إعادة تنظيم للمجال العام، من خلال إزالة النقاط السوداء، وإعادة ترتيب الفضاءات التجارية، وإحداث مساحات خضراء صغيرة موزعة على النسيج الحضري، بما يضمن توزيعاً عادلاً للمرافق العمومية.
وتندرج هذه الأوراش في إطار رؤية شمولية تهدف إلى تحسين جودة العيش، وتعزيز جاذبية المدينة، واستعادة إشعاعها الحضاري والسياحي.
البعد البيئي والاجتماعي للمشروع
إحداث فضاءات خضراء وملاعب للقرب بمحيط القصبة يعكس وعياً متزايداً بأهمية البعد البيئي في التخطيط الحضري. فالمساحات الخضراء تساهم في تحسين جودة الهواء، وتلطيف المناخ المحلي، وتوفير متنفس للساكنة، خصوصاً في الأحياء ذات الكثافة السكانية.
أما ملاعب القرب، فهي استثمار في الشباب، ووسيلة لمحاربة الهشاشة والانحراف عبر توفير فضاءات آمنة لممارسة الرياضة والأنشطة الترفيهية. وبذلك، يتحول المشروع من مجرد عملية تجميل عمراني إلى رافعة تنموية ذات أبعاد اجتماعية واضحة.
نحو فاس أكثر إشراقاً
الرهان اليوم هو استكمال هذه الأوراش في آجال معقولة، مع ضمان الجودة والاستدامة، حتى لا تتحول المشاريع إلى تدخلات ظرفية. المؤشرات الحالية توحي بوجود إرادة حقيقية لتغيير صورة عدد من الفضاءات التي ظلت مهمشة، وإعادة دمجها في الدينامية الحضرية.
وإذا ما تم استكمال تأهيل قصبة مولاي الحسن داخلياً، وتحويلها إلى فضاء ثقافي وسياحي مفتوح، فإن ذلك سيشكل إضافة نوعية للخريطة السياحية للمدينة، ويعزز موقع فاس كعاصمة روحية وثقافية للمملكة.
ما يجري اليوم في فاس ليس مجرد إصلاحات متفرقة، بل مسار إعادة بناء حضري يستند إلى رؤية استباقية تقودها السلطات الجهوية بشراكة مع الفاعلين المؤسساتيين. تأهيل محيط قصبة مولاي الحسن وتحويله إلى فضاء أخضر حديث، بعد ترميم أسوارها، يرمز إلى هذا التوجه الذي يجمع بين صيانة الذاكرة والانفتاح على المستقبل.
فاس، المدينة التي تختزن قروناً من التاريخ، تبدو اليوم على موعد مع مرحلة جديدة، عنوانها: استعادة الجمالية، وتعزيز الجاذبية، وبناء فضاءات حضرية تليق بتاريخها ومكانتها.






