“مقصلة” الأجور تذبح جيوب ملائكة الرحمة: هل أعلن وزير الصحة “الحرب” على الأطر الطبية في عز الكوارث؟ و يدخل البلاد في فتنة جديدة؟

في الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام الوطني التفاتة تكريم وتحفيز للأطر الصحية المرابطة في خنادق الإغاثة ، فاجأت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية الشغيلة الصحية بـ “طعنة غادرة” في عمق استقرارها المادي، عبر إقرار اقتطاعات مالية ضخمة وجائرة من رواتب شهر يناير 2026. هذه الخطوة التي وُصفت بـ “الرعناء”، لم تكن مجرد إجراء إداري تقني، بل تحولت إلى صك اتهام مباشر للوزير أمين التهراوي، الذي يبدو أنه اختار لغة “العقاب المالي” كمنهجية وحيدة لتدبير قطاع يغلي فوق صفيح ساخن، متجاهلاً الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد جراء ، حيث أن هذه الأطر تضحي بالغالي والنفيس لإنقاذ الأرواح في ظروف مناخية قاسية لا ترحم.
تغول إداري وغياب للبعد الإنساني: الوزير في قفص الاتهام
إن السياسة التي ينهجها الوزير التهراوي في تدبير ملف الأجور تعكس، حسب مراقبين، “عجزاً هيكلياً” في فهم أبسط قواعد السلم الاجتماعي داخل قطاع حيوي كالصحة. فالاقتطاعات التي طالت مراتب الموظفين دون سابق إنذار أو تبرير قانوني متماسك، جاءت في توقيت ينم عن “قسوة إدارية” لا تراعي اقتراب شهر رمضان المبارك والتزامات الأسر المغربية، مما جعل الوزارة تبدو في صورة “المحصل المالي” المتشدد بدل أن تكون “الراعي الاجتماعي” لمواردها البشرية. هذا التوجه الذي يفتقر للحس الإنساني والسياسي، يطرح تساؤلات حارقة حول الغاية من إنهاك الموظف معنوياً ومادياً في لحظات الأزمات الوطنية؛ فهل يسعى الوزير إلى معاقبة هؤلاء الجنود على تفانيهم في الميدان، أم أن هناك انفصالاً تاماً بين مكاتب الرباط المكيفة وبين واقع الميدان الغارق في الوحل والفيضانات؟
انتفاضة النقابات: “العدالة والإنصاف” المفقودة في تدبير التهراوي
الجامعة الوطنية للصحة وباقي الإطارات النقابية لم تتأخر في التعبير عن “استغرابها الشديد” وتنديدها بهذا السطو القانوني على الحقوق المالية للموظفين، واصفة إياه بالإجراء الذي خلق “تذمراً غير مسبوق” وضرب في مقتل روح المبادرة داخل القطاع. النقابات ترى أن الوزير مطالب اليوم بتقديم كشف حساب دقيق وشفاف حول دوافع هذه المجزرة المالية، وتطبيق تدرج إنساني يحفظ كرامة الممرض والطبيب والموظف الإداري. إن استمرار الوزارة في تجاهل نداءات العقل، والتمسك بسياسة “لي الذراع” عبر الاقتطاعات العشوائية، لا يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة الهيكلية؛ حيث بات الموظف الصحي يشعر بأنه “حلقة ضعيفة” في منظومة تتقن جني الثمار وتبرع في التنكر للجميل عند أول منعطف، وهو ما ينذر بشلل وشيك في المرفق العام إذا لم يتم تدارك هذا العبث فوراً.
وقت المحاسبة: هل يملك الوزير الجرأة لتصحيح المسار؟
يقف وزير الصحة اليوم أمام اختبار تاريخي وحقيقي؛ فإما الاعتراف بالخطأ الفادح ومراجعة هذه القرارات العقابية التي مست لقمة عيش الأطر الصحية، وإما الاستمرار في سياسة “الهروب إلى الأمام” التي لن تزيد القطاع إلا احتقاناً وتشرذماً. إن المطلوب اليوم ليس مجرد تبريرات إدارية واهية، بل إرادة سياسية قوية تعيد بناء الجسور المحطمة مع الشغيلة الصحية، وتقر بالجميل للذين واجهوا السيول والفيضانات بصدور عارية. الأطر الصحية لا تتسول حقوقها، بل تطالب بالعدالة التي نصت عليها الخطابات الملكية السامية بخصوص النهوض بالموارد البشرية في قطاع الصحة. وأي تهاون في تصحيح هذه الوضعية الشاذة، سيجعل الوزير وحيداً في مواجهة غضبة عارمة، لن تخمدها الوعود الفضفاضة ما لم تُرجع المبالغ المنهوبة إلى أصحابها فوراً وبكرامة.






