من الوديان إلى الغابة: كيف تحوّلت معصرة برلماني بتاونات إلى بؤرة جرائم بيئية؟

لم تعد الجرائم البيئية بإقليم تاونات محصورة في تلويث الوديان وتهديد الفرشة المائية، بل دخلت مرحلة أخطر مع امتداد الاعتداءات إلى الملك الغابوي، في وقائع تضع اسماً برلمانياً معروفاً في صلب اتهامات ثقيلة، مدعومة بمعطيات موثقة ومتداولة بالصوت والصورة، دون أن يقابلها إلى الآن ردع بحجم خطورتها.
مرج الزيتون… جريمة مستمرة تحت أعين الجميع
لسنوات، تشتكي ساكنة جماعة قروية ومحيطها من تصريف مخلفات معصرة زيتون يملكها برلماني بالمنطقة، حيث يتم التخلص من “مرج الزيتون” في مجاري الوديان، مستغلاً فترات التساقطات المطرية لطمس آثار التلوث. غير أن التطور الأخطر، بحسب شكايات الساكنة، هو وصول هذه المخلفات إلى محيط المنازل بل وداخلها، بعد تسربات غير مفهومة عبر مجاري عشوائية، ما حوّل التلوث من خطر بيئي عام إلى تهديد مباشر للحياة اليومية للمواطنين.
الساكنة تتحدث عن روائح خانقة، تلوث للتربة، وخوف حقيقي من انعكاسات صحية، في مقابل استمرار نشاط المعصرة دون أي إجراء رادع ظاهر.

التحول الأخطر: الغابة في مرمى الاستغلال
لم تسلم الغابة بدورها من هذا المسار التخريبي. فحسب معطيات متداولة لدى فعاليات مدنية وبيئية، ومدعومة بتسجيلات موثقة، فإن البرلماني صاحب المعصرة متهم بالوقوف وراء قطع أشجار غابوية من نوع “التايدا” بالقطاع الغابوي ، واستغلالها كمصدر للطاقة داخل وحدته الإنتاجية.
الهدف واضح: خفض كلفة التشغيل عبر تعويض مصادر الطاقة القانونية والمكلفة بخشب غابوي محمي، في اعتداء صريح على الملك الغابوي، وضرب مباشر لمبدأ حماية الموارد الطبيعية.
وهنا، لا يتعلق الأمر بتجاوز عرضي، بل بممارسة ممنهجة تنقل الجريمة البيئية من مستوى التلوث إلى مستوى النهب المنظم للغابة.
أين كانت مراقبة المياه والغابات؟
هذه الوقائع تضع مديرية المياه والغابات في موقع المساءلة المباشرة. فكيف يتم قطع أشجار غابوية داخل قطاع معروف دون تدخل فوري؟ وأين دوريات المراقبة؟ وأين المحاضر الزجرية؟ أم أن الغابة، بدورها، أصبحت مجالاً مفتوحاً حين يكون المستفيد صاحب نفوذ سياسي؟
غياب أجوبة واضحة يعمّق الشكوك حول ضعف، أو تعطيل، آليات المراقبة حين تقترب من أسماء تعتبر نفسها نافذة وفوق القانون.
ماء الشرب… استنزاف في صمت
ولا تتوقف الاتهامات عند هذا الحد. فمصادر مطلعة تفيد بأن المعصرة نفسها تتزود بالماء الصالح للشرب من الشبكة العمومية بطريقة غير قانونية، عبر ربط بقنوات أُنجزت في ظروف توصف بالمشبوهة، ودون أي عداد يمكن من تحديد حجم الاستهلاك.
إن صحت هذه المعطيات، فنحن أمام استنزاف لمورد عمومي حيوي خارج القانون، في إقليم يعاني من هشاشة مائية متفاقمة، ما يجعل الأمر جريمة مضاعفة: بيئية ومرفقية في آن واحد.
الصفة البرلمانية: حماية أم حصانة غير معلنة؟
الملف يطرح سؤالاً مركزياً لم يعد ممكناً تجاوزه:
هل تحولت الصفة البرلمانية إلى مظلة تحمي المخالفين من المحاسبة؟
فالوقائع، رغم توثيقها وتداولها، لم تُترجم إلى إجراءات زجرية حاسمة، ما يعزز شعوراً متنامياً لدى الساكنة بأن القانون يتوقف عند حدود النفوذ.
دعوة صريحة للتدخل
أمام خطورة هذه المعطيات، تطالب فعاليات محلية وبيئية السلطات الإقليمية الوصية بفتح تحقيق عاجل وشامل، لا يقتصر على مرج الزيتون، بل يشمل:
-
تلويث الوديان
-
تسرب المخلفات إلى المنازل
-
قطع الأشجار الغابوية
-
الاستغلال غير القانوني للماء الصالح للشرب
وذلك من أجل وضع حد لممارسات إجرامية في حق البيئة بإقليم تاونات، يُشتبه في وقوف جزء من نخبه البرلمانية والسياسية وراءها.
البيئة ليست امتيازاً انتخابياً
ما يحدث بتاونات لم يعد قابلاً للتأويل أو التخفيف. نحن أمام نموذج خطير لتحول النفوذ السياسي إلى أداة لتدمير المجال، في غياب ردع حقيقي.
فالوديان والغابات وماء الشرب ليست امتيازات انتخابية، بل حقوق جماعية، وحمايتها اختبار فعلي لهيبة القانون.






