عجلة التنمية بفاس تؤثث البرك المائية … حين تتحول الحفر إلى معالم حضرية

لم تعد “عجلة التنمية” مجرد شعار يُرفع في الخطب والبلاغات، بل صارت في فاس واقعاً مادياً يُرى بالعين المجرّدة… عجلة مطاطية تُغرس وسط شارع غارق في المياه، كعلامة تحذير بدائية، وكتعليق ساخر على حال البنيات التحتية التي عرّتها التساقطات المطرية الأخيرة دون مواربة.
في عدد من أحياء العاصمة العلمية، بات المشهد متكرراً: شوارع وأزقة مثقوبة، برك مائية تتسع يوماً بعد يوم، وحفر تتحول مع كل زخة مطر إلى كمائن حقيقية للسيارات والراجلين. هنا لا تحتاج إلى خرائط ولا إلى تقارير تقنية، فالعجلة الموضوعة وسط الطريق تقوم بالمهمة: “انتبه… هنا تنتهي التنمية”.
هذه الوضعية المقلقة تضع المجلس الجماعي لمدينة فاس، برئاسة العمدة عبد السلام البقالي المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، في قفص المساءلة السياسية والأخلاقية. مجلسٌ يوصف اليوم، دون مبالغة، بأنه من أضعف المجالس التي تعاقبت على تسيير المدينة، مجلس مفكك، مشتت القرار، غائب عن نبض الشارع، وحاضر فقط عند التقاط الصور أو تبادل الاتهامات.
التساقطات المطرية، التي يفترض أن تكون اختباراً عادياً لصلابة البنيات التحتية، تحولت إلى فضيحة عمرانية. طرق أُنجزت حديثاً انهارت، وأحياء كاملة تعيش على وقع العزلة المؤقتة، فيما يتهدد الخطر السلامة الجسدية للمواطنين، في ظل غياب التشوير، وضعف الصيانة، والاكتفاء بحلول ترقيعية تسيء أكثر مما تُصلح.
ولا يقف التدهور عند حدود الطرق. فالمدينة تغرق في الأزبال، وتسبح في الأوحال، وتئن مرافقها العمومية تحت وطأة الإهمال. حدائق مهملة، إنارة عمومية معطلة في أكثر من حي، وقنوات صرف عاجزة عن استيعاب مياه الأمطار. وضعٌ يمهد، لا قدر الله، لكارثة حقيقية إذا ما استمرت سياسة اللامبالاة والتدبير بالحد الأدنى.
الأخطر من ذلك، أن المجلس الجماعي يبدو وكأنه في إجازة مفتوحة. لا تواصل فعلي مع الساكنة، لا خطط استعجالية واضحة، ولا محاسبة داخلية. وكالعادة، يُترك المواطن وحيداً في مواجهة الحفر والمياه الراكدة، بينما تُدار شؤون المدينة من مكاتب مغلقة بعيدة عن واقع الأزقة المتضررة.
إن فاس، بتاريخها ومكانتها، لا تستحق هذا المستوى من الارتباك والتراجع. المدينة التي كانت دوماً رمزاً للعلم والحضارة، تجد نفسها اليوم أسيرة عجلات مطاطية تُنصب مكان اللوحات الرسمية، وتفضح، بصمت ساخر، عجز من أوكلت إليهم مسؤولية التدبير.
وأمام هذا المشهد، يبقى السؤال معلقاً: إلى متى سيظل مجلس المدينة خارج الخدمة؟ ومن يتحمل مسؤولية مدينة تنزلق، مع كل مطر، خطوة أخرى نحو المجهول؟
ففي فاس اليوم، لم تعد التنمية تسير… بل تتعثر في أول حفرة.






