حين تتحول الكاميرا إلى أداة تحريض: انزلاقات إعلامية جزائرية تصطدم بواقع “الكان” في المغرب

منذ أن حطّت بعثة المنتخب الجزائري الرحال بالرباط للمشاركة في نهائيات كأس أمم إفريقيا، بدأت ملامح سلوك رسمي وإعلامي مشحون تطفو إلى السطح، في تناقض صارخ مع الأجواء الهادئة والتنظيم المحكم الذي طبع البطولة، وأشاد به مسؤولون قاريون ووفود دولية. سلوك لم يبدُ معزولًا أو عفويًا، بقدر ما عكس نهجًا متعمّدًا قائمًا على افتعال التوتر ومحاولة فرض سردية سياسية وإعلامية تصطدم بالواقع الميداني.
أولى هذه الإشارات ظهرت مع تعامل بارد ومقصود من بعثة المنتخب مع طقوس الاستقبال المعمول بها، حيث جرى تجاهل رمزي لمظاهر الضيافة، في تصرف قرأه متابعون على أنه رسالة سياسية أكثر منه سلوكًا عابرًا في إطار منافسة رياضية يفترض أن تبقى بعيدة عن الحسابات الضيقة.
لكن الانزلاق الأكبر كان إعلاميًا. فقد تم الإصرار على اعتماد منابر معروفة بخطابها العدائي، وفتح المجال أمام محتوى تشويشي حاول منذ الأيام الأولى النيل من صورة البطولة والتنظيم، عبر التشكيك والانتقاص، دون سند واقعي. هذه الحملات لم تصمد طويلًا أمام ما عاينته الجماهير الإفريقية والدولية من احترافية وتنظيم سلس وأجواء آمنة.
وتجلّى هذا النهج في تجاهل متعمّد للرموز المشتركة، من خلال عدم إبراز أعلام الدول المشاركة في المحتويات الرسمية المنشورة، في سلوك يُعد خروجًا عن الأعراف الرياضية والبروتوكولية، ويؤشر على رغبة واضحة في تسييس تظاهرة يفترض أن توحّد ولا تفرّق.
الانحدار بلغ مستويات أكثر خطورة حين لجأ الإعلام الرسمي إلى التلاعب البصري خلال عرض نتائج المباريات، عبر حجب رموز البلد المنظم، في تصرف تكرّر بشكل لا يسمح بتبريره بخطأ تقني. كما اختار أحد المراسلين الظهور من فضاءات معزولة، متجنبًا تصوير معالم العاصمة أو فضاءات المنافسة، في محاولة لصناعة صورة ذهنية مصطنعة لا علاقة لها بما يجري على الأرض.
والأخطر من كل ذلك، ما تم رصدُه أمس بشكل مباشر، حين ضُبط الصحافي نفسه وهو يوجّه الجمهور حرفيًا لما سيقوله، ويحرّضه على الحديث عن “غياب التذاكر” و”الفوضى” وغيرها من الادعاءات، في سلوك خطير يخرج تمامًا عن أخلاقيات المهنة، ويدخل في خانة التحريض وصناعة الفوضى. مثل هذه الانزلاقات لم تعد مجرد “رأي إعلامي”، بل أفعال تستوجب المعاملة بالمثل، لأن السكوت عنها لا يفسَّر إلا كضعف، ويمنح أصحابها جرأة أكبر على التطاول والتمادي.
حتى داخل أروقة الهيئات الكروية القارية، سُجّل سلوك غير منسجم مع قواعد اللياقة والمؤسسات، حيث طغت تصرفات توحي بالعزلة والتوجس، ومحاولات إثارة قضايا هامشية لم تجد آذانًا صاغية، في وقت كانت فيه الأنظار متجهة نحو إنجاح التظاهرة والاحتفاء بكرة القدم الإفريقية.
والمفارقة اللافتة أن هذا الخطاب الإعلامي المشحون بدأ يفقد مفعوله حتى لدى جمهوره الداخلي. فعدد من الجزائريين الذين حضروا المباريات بالمغرب وعاينوا عن قرب جودة التنظيم وحفاوة الاستقبال، وجدوا أنفسهم أمام فجوة صارخة بين ما يُروَّج له في بعض المنابر، وما يعيشونه واقعًا. تساؤلات صريحة بدأت تطرح، ووضعت هذا النهج أمام امتحان حقيقي في زمن لم تعد فيه الصورة قابلة للاحتكار أو التزييف.
في المحصلة، ما يحدث لم يعد مجرد اختلاف في التقدير أو تغطية إعلامية منحازة، بل انزلاقات خطيرة تمس جوهر العمل الصحافي، وتسيء للرياضة وللجماهير معًا. والتعامل معها بحزم بات ضرورة، لأن التساهل لا ينتج إلا مزيدًا من الفوضى، ويحوّل الإعلام من ناقل للحدث إلى صانع للأزمات.






