اقتصاد

الوزيرة بنعلي: قرار الجزائر بوقف الغاز فجّر شراكة طاقية غير مسبوقة بين الرباط ومدريد

في تصريح هو الأبرز منذ اندلاع الأزمة الطاقية الإقليمية سنة 2021، كشفت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، أن الخطوة أحادية الجانب التي أقدمت عليها الجزائر حين أوقفت ضخّ الغاز عبر الخط المغاربي – الأوروبي، لم تُضعِف موقع المغرب كما كان يُراد لها، بل كانت الشرارة التي دفعت الرباط ومدريد إلى بناء تحالف طاقي جديد غير مسبوق في تاريخ البلدين.

وجاءت تصريحات بنعلي في حوار مطوّل مع صحيفة إلباييس الإسبانية، نُشر اليوم السبت، على هامش مشاركتها ضمن الوفد الحكومي المغربي في الاجتماع رفيع المستوى بمدريد، حيث قدّمت رؤية شاملة للتحول العميق الذي تشهده العلاقات بين المملكتين.

تحالف طاقي بدأ بقرار عقابي… وانتهى بفتح قناة غاز معاكسة

أكدت بنعلي أن غلق الجزائر للأنبوب سنة 2021 “خلق وضعاً معقّداً”، لكنّه في الوقت نفسه أعاد تشكيل توازنات المنطقة. فالخط الذي كان يمد أوروبا بالغاز عبر المغرب “توقف لبضعة أشهر فقط”، قبل أن يعاود الاشتغال في الاتجاه المعاكس، أي من إسبانيا نحو المغرب، وهو ما اعتبرته الوزيرة “تحوّلاً تاريخياً في بنية التعاون الإقليمي”.

وقالت بنعلي: “أود أن أشكر الحكومة الإسبانية بصدق… لقد أثبتت مسؤولية كبيرة في لحظة حسّاسة، قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية التي ضاعفت الضغط على الأسواق العالمية.”

وتُظهر تصريحاتها أن التنسيق الطاقي بين البلدين انتقل من مستوى التعاون التقني إلى تنسيق استراتيجي فعلي فرضته الظروف الجيوسياسية الجديدة.

مرحلة انسجام استثنائية: المغرب يشتغل مع جيران “يدركون المسؤولية المشتركة”

في تقييمها للعلاقات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد، أكدت بنعلي أن البلدين يعيشان اليوم “مرحلة انسجام واضحة”، موضحة أن المغرب يعمل مع “أصدقاء وجيران واعين تماماً بمسؤوليتنا الإقليمية المشتركة”.

هذا الانسجام، وفق الوزيرة، لم يعُد مقتصراً على الملفات الأمنية والهجرة فحسب، بل أصبح يشمل الطاقة، الابتكار، المعادن الاستراتيجية، والاستثمارات الصناعية.

الطاقة النظيفة.. مدخل المغرب لتجاوز فخ الدخل المتوسط

توقفت بنعلي مطولاً عند رهانات المغرب الاقتصادية، معتبرة أن الانتقال الطاقي ليس خياراً بيئياً فقط، بل هو أساس النمو الاقتصادي المستقبلي.

وأعلنت بالأرقام أن:

  • 42٪ من إنتاج الكهرباء في المغرب سنة 2023 كان من مصادر متجددة

  • النسبة وصلت اليوم إلى 45٪

  • والهدف هو بلوغ 52٪ سنة 2027

كما كشفت أن السنوات الأخيرة شهدت قفزة حقيقية في الاستثمارات الطاقية، إذ تضاعفت ثلاث مرات سنوياً منذ 2021، معتبرة أن بلوغ 40٪ من الطاقات المتجددة كان الجزء الأصعب، واليوم بدأ المغرب يدخل مرحلة “التسارع”.

الربط الكهربائي بين المغرب وإسبانيا: محور طاقة جديد في غرب المتوسط

أبرزت الوزيرة الأهمية الاستراتيجية للربط الكهربائي البحري بين البلدين بطاقة 1400 ميغاواط، مؤكدة أنه يعمل في الاتجاهين، وأن مشروع خط ثالث قيد الدراسة لتعزيز الصادرات والواردات الطاقية.

وكشفت بنعلي معطى غير مسبوق عن يوم 28 أبريل الماضي حين شهدت شبه الجزيرة الإيبيرية انقطاعاً واسعاً للكهرباء، وقالت إن المغرب:

“عبّأ 38٪ من قدرته الإنتاجية لمساعدة إسبانيا على إعادة تشغيل الشبكة”

معتبرة ذلك “مصدر اعتزاز ودرساً عملياً لقيمة التكامل بين الجانبين”.

المغرب وإسبانيا… لأول مرة تبادلية في الغاز والكهرباء

في نقطة وصفتها الوزيرة بالتاريخية، أكدت أن البلدين دخلا مرحلة تجارة ثنائية الاتجاه في الغاز والكهرباء للمرة الأولى.

وأضافت:
“آمل أن يشمل هذا التعاون قريباً المعادن والمواد الأولية، لأن الطلب العالمي المتزايد على الليثيوم والكوبالت لن يُلبّى بدون إفريقيا، والممرات التجارية نحو أوروبا تمر أساساً عبر المغرب.”

ووصفت الربط المغربي – الإسباني بأنه “نقطة محورية” في مستقبل سلاسل الإمداد الطاقية بالقارة.

طفرة استثمارية مفتوحة أمام الشركات الإسبانية

قالت بنعلي إن السوق المغربية اليوم مفتوحة بالكامل أمام المستثمرين الإسبان، سواء عبر الاستقرار داخل المملكة أو عبر تقديم الخدمات من الخارج، مشيرة إلى أن شركات مغربية كثيرة تشارك أيضاً في مشاريع داخل إسبانيا.

وترى الوزيرة أن هذا النموذج من التعاون العابر للحدود هو ما سيبني في المستقبل فضاءً اقتصادياً متوسطياً متكاملاً.

 الأزمة التي أرادت إضعاف المغرب… صنعت قوة إقليمية جديدة

يعكس حديث بنعلي أن القرار الجزائري بوقف الغاز لم يكن سوى بداية فصل جديد في العلاقات المغربية – الإسبانية، فصلٌ وُضع فيه المغرب في موقع شريك طاقي محوري، وليس مجرد بلد عبور.

فالتحول الذي شهدته السنوات الأخيرة – طاقة متجددة، تبادل غاز، ربط كهربائي، استثمارات مشتركة – يؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها المغرب لاعباً رئيسياً في أمن الطاقة بغرب المتوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى