طرق مكناس في مهب الإهمال… بنية تحتية هشة تفضح اختلالات التدبير المحلي

تعيش مدينة مكناس في الآونة الأخيرة على وقع تدهور مقلق في عدد من شوارعها ومحاورها الطرقية، حيث تحولت مقاطع حيوية داخل أحياء سكنية وطرقات رئيسية إلى فضاءات محفوفة بالمخاطر، بفعل انتشار الحفر والمطبات العشوائية وتآكل الطبقات الإسفلتية، في مشهد بات يؤرق الساكنة ويطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة التدبير المحلي وجودة الاستثمارات العمومية.
مشاهد الطرق المتضررة لم تعد استثناءً، بل أصبحت عنوانًا يوميًا لمعاناة السائقين والراجلين، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث تسجل شكايات متزايدة بخصوص الأضرار الميكانيكية التي تلحق بالمركبات، إضافة إلى حوادث سقوط وانزلاق، خصوصًا في صفوف الدراجات النارية والمشاة.
أشغال حديثة… ونتائج مخيبة
اللافت في هذا الوضع أن عددًا من الشوارع المتضررة عرفت أشغال تهيئة أو إعادة تزفيت في فترات غير بعيدة، ضمن برامج إصلاح حضري رُصدت لها اعتمادات مالية مهمة و كانت وكالة تنفيذ المشاريع التابعة لجهة فاس مكناس أنجزت منها عدة شوارع. غير أن عودة هذه الطرق إلى وضعية أكثر تدهورًا مما كانت عليه سابقًا، يسلط الضوء على إشكالات عميقة في جودة الأشغال المنجزة، وعلى ضعف المراقبة التقنية أثناء التنفيذ، أو عند التسلم المؤقت والنهائي.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن هذا الواقع يعكس خللًا بنيويًا في تدبير صفقات الأشغال العمومية، سواء من حيث اختيار الشركات المنفذة، أو احترام دفاتر التحملات، أو تتبع مراحل الإنجاز، ناهيك عن الغياب شبه التام لبرامج الصيانة الدورية، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على استدامة البنية التحتية.
الأمطار تفضح الهشاشة
وتتفاقم الوضعية بشكل لافت مع كل تساقط مطري، حيث تتحول الحفر المنتشرة إلى برك مائية تخفي تحتها مخاطر حقيقية، ما يجعل التنقل داخل المدينة مغامرة يومية. هذا الواقع لا يهدد فقط سلامة المواطنين، بل يكرس صورة سلبية عن مدينة ذات تاريخ عريق ومكانة حضرية يفترض أن تنعكس في جودة فضائها العام.
ويؤكد فاعلون جمعويون أن استمرار هذه الوضعية يُفرغ الحديث عن “التنمية الحضرية” من مضمونه، ويجعل الساكنة تفقد الثقة في الوعود المتكررة بإصلاح شامل ومستدام.
صمت المسؤولين… وغياب التواصل
في مقابل هذا التدهور، تسجل الساكنة صمتًا مقلقًا من الجهات المعنية، سواء على مستوى الجماعة أو المصالح التقنية المختصة، رغم توالي النداءات والشكايات. ويُؤاخذ على المسؤولين الاكتفاء بحلول ترقيعية ظرفية، سرعان ما تنهار أمام أول اختبار مناخي، بدل اعتماد مقاربة شاملة تعالج الإشكال من جذوره.
غياب التواصل الرسمي حول أسباب التعثر، أو حول آجال وبرامج الإصلاح، زاد من منسوب الاحتقان، وفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مآل الميزانيات المرصودة، ومدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
مطالب بفتح التحقيق وربط المسؤولية بالمحاسبة
أمام هذا الوضع، ترتفع الأصوات المطالبة بـفتح تحقيق إداري وتقني في أسباب التدهور المتكرر للطرق، وتحديد المسؤوليات بشكل واضح، سواء تعلق الأمر بالمقاولات المنفذة أو بمكاتب الدراسات أو بالجهات المكلفة بالتتبع والمراقبة.
كما يدعو فاعلون محليون إلى وضع برنامج استعجالي وشفاف لإعادة تأهيل الشوارع المتضررة، يستند إلى معايير تقنية واضحة، ويُراعي خصوصيات المدينة، مع إشراك المجتمع المدني في تتبع التنفيذ، ضمانًا للنجاعة والمصداقية.
مكناس بين التاريخ وواقع البنية التحتية
مدينة مكناس، بما تحمله من إرث تاريخي وثقافي، لا تستحق أن تبقى رهينة طرق مهترئة وبنية تحتية متآكلة. فالطريق ليست مجرد إسفلت، بل عنوان للكرامة الحضرية، ومؤشر على مستوى العيش وجودة الخدمات.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح:
إلى متى سيستمر هذا النزيف في البنية التحتية؟
وهل تتحرك الجهات المسؤولة لإنصاف الساكنة، أم سيظل إصلاح طرق مكناس مؤجلًا إلى إشعار غير معلوم؟






