جولة المبعوث الأمريكي تُعيد رسم معادلة الصحراء… المغرب في موقع القوة وواشنطن تدفع نحو الحسم النهائي

في لحظة دبلوماسية دقيقة تحمل أكثر من رسالة، جاءت جولة المبعوث الأمريكي إلى الرباط لتؤكد أن ملف الصحراء المغربية يدخل مرحلة جديدة عنوانها: الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث الجدي عن تسوية نهائية. تصريحات ناصر بوريطة لم تكن مجرد عرض للموقف الرسمي، بل قراءة استراتيجية لتحول عميق في موقف الولايات المتحدة الأمريكية، تحول انطلق منذ محطة مفصلية في 10 دجنبر 2020، حين تم الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
زيارة بطابع استراتيجي… ما وراء البروتوكول
زيارة المسؤول الأمريكي، وعلى رأسه كريستوفر لاندو، لا يمكن فصلها عن السياق الدولي والإقليمي المتغير. فهذه الجولة تأتي في توقيت يشهد تصاعد الرهانات الجيوسياسية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، ما يمنح المغرب موقعاً محورياً كشريك موثوق في معادلة الاستقرار.
بوريطة شدد على أن هذه الزيارة تعكس “دينامية متصاعدة” في العلاقات الثنائية، لكنها في العمق تؤكد أن واشنطن لم تعد تكتفي بدعم نظري، بل تتحرك عملياً لدفع مسار الحل، وفق تصور واضح: مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كإطار وحيد وواقعي للتسوية.
من الاعتراف إلى الدفع نحو الحل
التحول الأمريكي لم يعد محل نقاش، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تقدماً. فالتأكيد الذي جاء على لسان المسؤول الأمريكي بأن النزاع “طال أكثر مما ينبغي” يحمل دلالات قوية، أبرزها أن واشنطن تعتبر استمرار الوضع الحالي غير مقبول سياسياً وزمنياً.
هذا المعطى يعكس انتقالاً من مجرد الاعتراف إلى الضغط الدبلوماسي الناعم من أجل تسريع الحل، في انسجام مع قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدعو إلى حل سياسي واقعي ودائم.
المغرب… شريك استراتيجي يتجاوز الإقليم
اللافت في هذه الجولة ليس فقط التركيز على قضية الصحراء، بل توسيع النقاش ليشمل ملفات إقليمية ودولية، ما يعكس حجم الثقة التي تحظى بها الرباط داخل دوائر القرار الأمريكي.
العلاقات بين المغرب وواشنطن، التي تمتد لأكثر من قرنين ونصف، تعززت تحت قيادة محمد السادس ودونالد ترامب، لتتحول إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الأمن والدفاع والاقتصاد.
ومن أبرز تجليات هذا التعاون، استمرار مناورات الأسد الإفريقي، التي تعد الأكبر في القارة، وتؤكد أن التحالف العسكري بين البلدين لم يعد تقليدياً، بل أصبح جزءاً من هندسة الأمن الإقليمي.
اقتصادياً… المغرب منصة أمريكية نحو إفريقيا
الرسائل الأمريكية لم تتوقف عند السياسة، بل امتدت إلى الاقتصاد، حيث ترى واشنطن في المغرب بوابة استراتيجية نحو القارة الإفريقية. الإشادة بالاستقرار الذي يوفره المغرب للمستثمرين تعكس رغبة واضحة في توسيع الشراكة الاقتصادية وفق منطق “رابح-رابح”.
هذا التوجه يعزز موقع المغرب كقطب اقتصادي صاعد، خاصة في ظل الدينامية التي يشهدها في مجالات الصناعة والطاقة والبنية التحتية، ما يجعله شريكاً مثالياً لرأس المال الأمريكي الباحث عن أسواق واعدة.
رسائل سياسية مشفرة… وتسريع إيقاع الحسم
في العمق، تحمل هذه الزيارة رسائل سياسية متعددة الاتجاهات. أولها أن ملف الصحراء لم يعد نزاعاً مجمداً، بل قضية على طاولة الفعل الدولي. وثانيها أن الدعم الأمريكي لمقترح الحكم الذاتي لم يعد مجرد موقف، بل تحول إلى أرضية عمل دبلوماسي نشط.
أما الرسالة الأهم، فهي أن الزمن لم يعد في صالح استمرار النزاع، وهو ما عبّر عنه المسؤول الأمريكي بشكل واضح، حين أشار إلى أن هذا الملف لا يمكن أن يمتد “لعقود أخرى”.
مرحلة جديدة تُكتب من الرباط
جولة المبعوث الأمريكي إلى المغرب ليست زيارة عادية، بل محطة تؤشر على بداية مرحلة جديدة في تدبير أحد أطول النزاعات الإقليمية. المغرب يدخل هذه المرحلة من موقع قوة، مستنداً إلى شرعية دولية متنامية، وشراكة استراتيجية متينة مع واشنطن.
وبين اعتراف الأمس وضغط اليوم، يبدو أن ملف الصحراء يقترب أكثر من أي وقت مضى من لحظة الحسم… لحظة قد تعيد رسم موازين المنطقة بأكملها.






