سياسة

ملف الأحد: كرونولوجيا الإنجاز: محمد السادس مهندس الأمن الجيوستراتيجي ومسار تثبيت الحكم الذاتي في الصحراء المغربية

مقدمة الملف الخاص ليوم الأحد:

في ملف الأحد الخاص بجريدتكم الإلكترونية”فاس24″، نغوص في صميم المقاربة المغربية لتثبيت سيادتها وأمنها الإقليمي تحت قيادة مهندس الدبلوماسية جلالة الملك محمد السادس. يقدم قسم هيئة التحرير والتحليل الجيوستراتيجي هذا التحليل الموسع، تحت إشراف عبدالله مشواحي الريفي.

 الأساس التاريخي للقضية وتطور المقاربة المغربية

إن فهم المقاربة المغربية الحالية في ملف الصحراء يتطلب الغوص في عمقها التاريخي. لم يكن النزاع وليد الأمس، بل هو إرث جيوسياسي للحقبة الاستعمارية والحرب الباردة. فبعد استعادة الأقاليم الشمالية، ظل استكمال الوحدة الترابية هدفاً وطنياً أسمى، تم تتويجه بالمسيرة الخضراء المظفرة في نوفمبر 1975. شكلت هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية الأساس لـ “الشرعية الشعبية” التي يستند إليها المغرب. ومع ذلك، وبفعل التنافس الإقليمي والاصطفافات الإيديولوجية للحرب الباردة، تحول الملف إلى نزاع مصطنع في أروقة الأمم المتحدة. ظل المغرب لعقود يتبنى مقاربة دفاعية-قانونية، ترتكز على تثبيت الوجود على الأرض والتعامل بحذر مع مقترحات الاستفتاء التي ثبت أنها غير عملية وغير قابلة للتطبيق على أرض الواقع.

 ميلاد الرؤية الجيوستراتيجية الحديثة: مبادرة الحكم الذاتي (2007)

جاء اعتلاء جلالة الملك محمد السادس للعرش ليؤسس لمرحلة جديدة، انتقلت فيها المملكة من المقاربة الدفاعية إلى المقاربة الهجومية الإيجابية. كان الإعلان عن مبادرة الحكم الذاتي في أبريل 2007 هو الإشارة الواضحة لانتهاء زمن الجمود. لم تكن المبادرة مجرد تنازل سياسي، بل كانت تجسيداً لعبقرية التحول الجيوستراتيجي، حيث نقلت النقاش في مجلس الأمن من الجدل حول مبدأ “تقرير المصير” الذي استنفد أغراضه، إلى التركيز على “الحل السياسي الواقعي والعملي” الوحيد الممكن. هذه الخطوة الملكية أسست مبدأ الواقعية السياسية في التعامل مع النزاعات الإقليمية، وهو المبدأ الذي أثبتت السنوات التالية صوابيته، حيث باتت قرارات مجلس الأمن تشيد سنوياً بـ “جدية ومصداقية” المقترح المغربي، ما يؤكد التحول النوعي في الرؤية الدولية للملف.

 كرونولوجيا التنمية الذكية: الدفاع بالبنيان (2015-2025)

أدرك المغرب أن السيادة الجيوستراتيجية لا تكتمل إلا بالتثبيت الاقتصادي والاجتماعي. لهذا، انطلق في 2015 النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي لم يكن خطة تنموية عادية، بل استراتيجية أمنية طويلة الأمد تهدف إلى تحويل المنطقة إلى مركز إقليمي للاستثمار. هذا التوجه يقوم على مبدأ “الدفاع بالتنمية”، حيث تصبح المشاريع المهيكلة هي خط الدفاع الأول ضد محاولات زعزعة الاستقرار:

المشاريع كمُرسِّخ للسيادة:

ميناء الداخلة الأطلسي، الذي انطلقت أشغاله بكلفة تتجاوز الـ 12.6 مليار درهم، ليس مشروعاً لوجستياً فحسب، بل هو مركز جيوبوليتيكي يهدف لربط الصحراء بالعمق الإفريقي والأطلسي، مما يجعله نافذة المغرب على العالم الجديد. وبالمثل، يُعد الطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة، والذي يمثل عموداً فقرياً للربط القاري، إعلاناً عملياً للسيادة وتذويباً نهائياً لأي حدود داخلية. كما أن المشاريع العملاقة في مجال الطاقات المتجددة، وخاصة الهيدروجين الأخضر، تؤسس لـ أمن طاقي إقليمي تكون الصحراء المغربية مركزه الحيوي. إن هذه الإنجازات الميدانية تفوق في تأثيرها أي قرار سياسي مؤقت، لأنها تخلق أمراً واقعاً مستداماً يصعب تجاهله دولياً.

 المقاربة الأمنية الذكية ولحظة الكركرات الحاسمة (نوفمبر 2020)

جاءت أزمة معبر الكركرات في نوفمبر 2020 لتكون اختباراً ميدانياً فاصلاً للرؤية المغربية الجديدة. عندما حاولت الميليشيات المسلحة قطع الشريان التجاري الدولي، كان رد الفعل المغربي يمثل ذروة “الأمن الذكي”.

قواعد الاشتباك الجيوستراتيجي:

الدور الملكي كان حاسماً في إدارة الأزمة عبر ثلاثة مبادئ:

  1. التوقيت والشرعية: تم التحرك في توقيت محسوب، وتم التنفيذ بشكل سلمي ومدني في المقام الأول، تحت غطاء من الشرعية الدولية، ما وضع خصوم الوحدة الترابية في موضع الخرق والاعتداء على حركة التجارة العالمية.
  2. الرد العملياتي لا الحرب الإيديولوجية: لم ينزلق المغرب نحو الحرب الشاملة، بل اقتصر على التحكم العملياتي الدائم في المنطقة العازلة، مؤكداً أن هدفه هو “تأمين تدفق السلع والأفراد” وليس التصعيد العسكري.
  3. ترسيخ الدور الإقليمي: أسفر التحرك عن ترسيخ مكانة المغرب كـ مزود للاستقرار والأمن التجاري لدول غرب إفريقيا وموريتانيا، مما حوّل الأزمة إلى نقطة قوة سياسية ودبلوماسية.

هذا الحسم، الذي أفضى إلى تأمين المعبر نهائياً، كان بمثابة تأكيد عملي على عدم جدوى الانخراط في أي مسار عسكري أو استفزازي يهدد مصالح المنطقة، وفرض على المجتمع الدولي التعامل مع المغرب كـ القوة الوحيدة الضامنة لأمن الممرات الحيوية في هذه الواجهة الأطلسية.

 البعد الأطلسي: المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل (2023-2025)

تعد المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس في 2023 لتمكين دول الساحل غير الساحلية (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد) من الولوج إلى المحيط الأطلسي، هي تتويج للرؤية الجيوستراتيجية المغربية. لم تكن هذه المبادرة مجرد عرض تعاون، بل كانت هندسة جيوسياسية جديدة للمنطقة.

أهداف المبادرة الأطلسية:

احتواء الهشاشة الإقليمية: جاءت المبادرة كرد استراتيجي على موجة الانقلابات والأزمات الأمنية والسياسية في منطقة الساحل. فبدلاً من التركيز على مكافحة الإرهاب والتهريب كأعراض، يقدم المغرب علاجاً جذرياً يربط الاستقرار بالتنمية الاقتصادية.

  1. تحويل الجغرافيا لصالح التكامل: ربط مصير دول الساحل بالواجهة الأطلسية المغربية يخدم مصالح هذه الدول بشكل مباشر، ويمنح الصحراء المغربية قيمة إضافية كبوابة قارية، وليس مجرد أرض متنازع عليها.
  2. تكريس الشراكة جنوب-جنوب: تمثل المبادرة تطبيقاً لمبدأ الشراكة الإفريقية التضامنية التي طالما دعا إليها الملك، مما يعزز مكانة المملكة كـ قوة إقليمية مؤثرة ويقوّي أمنها الاستراتيجي عبر خلق عمق اقتصادي وسياسي جديد.

 التوافق الدولي المتزايد: انتصار لغة الواقعية

تعكس القرارات الأخيرة لمجلس الأمن الدولي، والاعترافات المتتالية لمجموعة واسعة من الدول الكبرى والصديقة (التي تجاوزت 100 دولة، مع افتتاح أكثر من 30 قنصلية في العيون والداخلة)، انتصاراً لـ لغة الواقعية السياسية التي طرحها المغرب. يعتبر المجتمع الدولي الآن أن الحكم الذاتي هو الأساس الوحيد والجدي والموثوق للتوصل إلى تسوية نهائية لهذا النزاع.

دلالات الموقف الدولي:

تآكل الخطاب الانفصالي: يؤكد هذا التوافق الدولي على فشل الخطاب الإيديولوجي الذي عفا عليه الزمن، ويثبت أن القانون الدولي بدأ يتبنى مفهوم الحلول الواقعية التي تضمن الاستقرار والتنمية، بدلاً من التمسك بمفاهيم شكلية مستحيلة التطبيق.

  • مسؤولية الأطراف الأخرى: تتضمن القرارات الأممية إشارات متكررة إلى ضرورة تسجيل اللاجئين في مخيمات تندوف، والتحذير من ضعف التمويل الإنساني، وهو ما يضع الطرف الإقليمي الآخر (الجزائر) أمام مسؤولياته القانونية والإنسانية تجاه الساكنة.

 الحكم الذاتي كعقيدة أمنية للقرن الحادي والعشرين

في المحصلة النهائية، لم يعد مقترح الحكم الذاتي مجرد مشروع لإنهاء نزاع إقليمي، بل تحوّل إلى عقيدة أمنية جيوستراتيجية متكاملة أرساها جلالة الملك محمد السادس. لقد نجح المغرب، عبر مسار كرونولوجي محكم، في تحويل عبء النزاع إلى فرصة للتنمية وتصدير الاستقرار إلى عمقه الإفريقي.

الصحراء المغربية اليوم هي مختبر لنموذج الحكم الذاتي اللامركزي، ومركز لربط القارات، ومثال لـ “الأمن المندمج” الذي يجمع بين التنمية والشرعية والفعالية العملياتية. هذا النموذج يرسخ مبدأ: “لا سيادة بدون تنمية، ولا تنمية بدون أمن حازم وواقعي”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى