قضايا

القضاء بفاس يثنب أحكاما في حق مسؤول ترابي سقط ضمن شبكة مافيا العقار و الفساد الإداري بمقاطعة جنان الورد

في حلقة جديدة من مسلسل تفكيك شبكات الفساد التي نخرت قطاع التعمير بمدينة فاس، أسدلت غرفة الجنايات الاستئنافية المكلفة بجرائم المال بمحكمة الاستئناف بفاس الستار على واحد من أخطر الملفات التي شغلت الرأي العام لسنوات، والمتعلق بشبكة منظمة يشتبه في تورطها في المتاجرة في رخص البناء واستغلال النفوذ وتلقي الرشاوى مقابل تمرير خروقات عمرانية.

وقضت الهيئة القضائية، مساء الأربعاء، بتأييد الحكم الابتدائي الصادر في حق القائد السابق للملحقة الإدارية اللويزات التابعة لمقاطعة جنان الورد، والحكم عليه بسنة ونصف حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 20 ألف درهم، مع تحميله الصائر والإجبار في الأدنى. كما تم إشعاره بحقه في الطعن بالنقض داخل أجل عشرة أيام.

غير أن ما يميز هذا الملف ليس فقط الأحكام الصادرة، بل خبايا القضية التي تكشف عن شبكة واسعة نسجت خيوطها في الظل بين منتخبين ومسؤولين وتقنيين ووسطاء عقاريين. فالقائد المدان لم يكن سوى ضحية تراخٍ إداري وانجراف داخل شبكة فساد مستشرية، قادها منتخبون نافذون داخل المقاطعة، استغلوا هشاشة الرقابة وربطوا علاقاتهم بمافيا العقار لتحقيق ثروات غير مشروعة.

القضية التي فجرتها تحريات الضابطة القضائية جاءت في أعقاب متابعة الرئيس السابق لمقاطعة جنان الورد، رضا عسل، الذي تمت إدانته بعقوبات سالبة للحرية في ملف منفصل يتعلق بتجاوزات خطيرة في ميدان التعمير وتضارب المصالح واستغلال المنصب. كما أدين رئيس مصلحة التعمير السابق بسنوات سجنا نافذا، بينما تمت متابعة ثلاثة من أعوان السلطة بسنة حبسا نافذا، بالإضافة إلى إدانة أربعة مهندسين بشهرين حبسا نافذا لكل واحد منهم، وبراءة موظفين من وكالة الماء والكهرباء.

وتشير المعطيات التي حصلت عليها الجريدة إلى أن ملف التعمير بمقاطعة جنان الورد كان بمثابة مغارة أسرار، حيث تم التلاعب برخص الإصلاح والبناء العشوائي  والتجزئة، وتم ابتزاز مواطنين ومقاولين مقابل مبالغ مالية، في خرق سافر للقانون. كما كشفت اعترافات بعض المتابعين أن القائد  كان يتحرك تحت تأثير ضغوطات منتخبين تحكموا في دواليب التراخيص العقارية بشكل غير قانوني.

مصادر متطابقة تؤكد أن “المكلف بالتعمير” السابق بالمقاطعة، الذي كان يشغل منصب النائب الأول للرئيس، لعب الدور المركزي في الشبكة، قبل سقوطه بدوره وإدانته بالسجن النافذ، بعد أن كشفت التحقيقات تورطه في تسهيل البناء العشوائي وتلقي رشاوى كبيرة.

ويرى متابعون أن هذا الملف لا يجب أن يغلق فقط بأحكام قضائية، بل يجب أن يكون منعطفا في تطهير قطاع التعمير بفاس الذي تحول لسنوات إلى “مرتع للريع العقاري” و باتت المدينة محاطة بأحزمة الفقر و البؤس وبيئة خصبة للسمسرة في الرخص والصفقات، في ظل غياب الحكامة وضعف المراقبة من طرف السلطات الترابية.

كما دعت فعاليات حقوقية إلى فتح تحقيق شامل حول الثروة المفاجئة لعدد من المنتخبين المحليين الذين تضخمت ممتلكاتهم بشكل مثير، معتبرين أن مكافحة الفساد لن تتحقق إلا برفع الحصانة عن المتورطين واسترجاع الأموال المنهوبة.

ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل كانت هذه مجرد بداية لتطهير المنظومة أم أن رؤوسا أكبر ما تزال تختبئ خلف الجدران الإسمنتية للفوضى العمرانية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى