وزارة الداخلية تطلق اجتماعات ماراثونية بالعمالات والولايات لتنزيل التوجيهات الملكية في إطار مقاربة التنمية المجالية المندمجة

تشهد مختلف العمالات والولايات خلال الأسابيع الأخيرة اجتماعات ماراثونية يقودها رجال السلطة، في سياق تنزيل التوجيهات الملكية الرامية إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية، نحو مقاربة شمولية للتنمية المجالية المندمجة. هذه اللقاءات، التي تُقصي المنتخبين بشكل واقعي، تأتي لتفادي استغلال التوجيهات الملكية في حملات انتخابية سابقة لأوانها، وضمان أن تبقى الرؤية الملكية بعيدة عن الحسابات السياسية الضيقة.
وقد شدد جلالة الملك في إحدى خطبه على أن “حان الوقت لإحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية”. كما أعرب عن أسفه لأن “بعض المناطق، لاسيما بالعالم القروي، ما تزال تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية”. ولعل أبرز ما جاء في التوجيهات الملكية هو الحسم بوضوح في ضرورة القطع مع ازدواجية المسارات، مؤكداً أنه “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”.
هذا التوجه الاستراتيجي يترجم في الميدان بجهود متواصلة يبذلها عمال الأقاليم والجهات في تهيئة البنيات الأساسية، على رأسها توفير الماء الصالح للشرب للمواطنين في المناطق المتضررة من العطش أو ضعف الإمدادات. غير أن هذه الدينامية، التي يقودها ممثلو السلطة الترابية، تكشف في الوقت ذاته محدودية الأداء الحكومي و غياب الوزراء عن قطاعتهم بالأقاليم و شح في الميزانية الحكومية، خصوصاً في ما يتعلق بتنزيل المنظومة الصحية الجديدة التي وقعت أمام جلالة الملك. فاحتجاجات الأطر الصحية والمواطنين تعكس حالة تذمر من بطء الحكومة وتقاعسها في التعاطي مع إصلاح قطاع حساس يمس الحياة اليومية للمغاربة.
وإذا كانت هذه الاحتجاجات في جزء منها تعبيراً عن مطالب اجتماعية مشروعة، فإن بعضها الآخر خرج عن سياقه الطبيعي، بعد أن تم اختراقه من طرف تيارات معروفة تاريخياً بمناوئتها لمؤسسات الدولة. فالفريق التقليدي الذي ظهر مع حراك 20 فبراير — من فلول اليسار الراديكالي وجماعة العدل والإحسان وبعض المغضوب عليهم من أحزاب سياسية أخرى ،فضلا عن من يخدمون أجندات خارجية— عاد إلى الواجهة مستغلاً ظرفية اجتماعية دقيقة لرفع شعارات تضرب في استقرار المملكة ومصداقية مؤسساتها.
المفارقة أن هذه الأصوات لا تريد الاعتراف بالإنجازات التي تحققت بفضل التوجهات الملكية، سواء على مستوى تأهيل البنيات التحتية بالعالم القروي، أو إطلاق الأوراش الكبرى في التعليم والصحة والتشغيل، أو في مجال العدالة المجالية. بل تواصل خطابها السلبي وكأن المغرب لم يحقق أي تراكم تنموي.
إن ما يجري اليوم هو اختبار حقيقي لقدرة المملكة على الموازنة بين مطالب اجتماعية مستعجلة وضرورات حماية الاستقرار العام. وإذا كانت الرؤية الملكية قد وضعت الأسس الواضحة لمرحلة جديدة عنوانها التنمية المجالية المندمجة، فإن التحدي الأكبر يكمن في مدى قدرة الحكومة على تحويل هذه التوجيهات إلى سياسات واقعية، والتعاطي بحزم مع محاولات الركوب على الاحتجاجات لتصفية حسابات سياسية وإيديولوجية.
وبين دينامية السلطة الترابية وتقاعس الجهاز التنفيذي و التشريعي، يبقى المغرب أمام مفترق طرق: إما السير بسرعة واحدة نحو تنمية عادلة ومتكافئة، أو ترك المجال مفتوحاً أمام من يحاولون توظيف الاحتقان لإعادة إنتاج خطاب الماضي، في تجاهل تام لما تحقق وما ينتظر من إصلاحات.






