“مدارس الريادة”: حلم وردي أم واقع مرير؟ الوزير برادة يثير عاصفة بتصريحاته الصادمة

في تصريح مثير للجدل، أعلن وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، أن دولاً أوروبية أعربت عن رغبتها في الاستفادة من تجربة “مدارس الريادة” التي أطلقتها وزارته، معتبرًا إياها “ثورة حقيقية” في مسار إصلاح التعليم بالمغرب.
هذا التصريح لم يمر مرور الكرام، بل أثار عاصفة من الانتقادات والسخرية في الأوساط التعليمية والإعلامية والسياسية، وكشف عن فجوة هائلة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى وعي الوزير بحجم الأزمة التي يعاني منها قطاع التعليم في البلاد.
الحقيقة الصادمة: المغرب في ذيل الترتيب العالمي
بينما يتغنى الوزير بـ”ريادة” تجربته، فإن الأرقام والتقارير الدولية تكشف حقيقة صادمة: المغرب يتذيل ترتيب مؤشرات جودة التعليم العالمية . ففي أحدث تقرير لـ “مؤشر التعليم العالمي”، احتل المغرب مراتب متأخرة جدًا، مما يجعله بعيدًا كل البعد عن أن يكون نموذجًا يحتذى به لدول أوروبية، بل على العكس تمامًا، فهو في أمس الحاجة للاستفادة من تجاربها الناجحة.
إن هذا التناقض الصارخ بين خطاب الوزير والتقارير الدولية يضع مصداقية الحكومة على المحك. فكيف يمكن لدولة تكافح من أجل تقليص نسب الأمية، وتحسين جودة التدريس، وتوفير بنية تحتية ملائمة في مدارسها، أن تقدم نفسها كنموذج ريادي للعالم المتقدم؟
“ريادة” على الأوراق و”ويلات” على أرض الواقع
وعلى الرغم من إطلاق مشروع “مدارس الريادة” كحل سحري لأزمة التعليم، فإن الواقع المعاش في المؤسسات التعليمية المغربية ما زال يعاني من اختلالات هيكلية عميقة:
- الاكتظاظ المفرط: لا تزال فصول دراسية عديدة، خاصة في المدن الكبرى، تعاني من اكتظاظ كارثي، حيث يتكدس فيها عشرات التلاميذ، مما يجعل العملية التعليمية شبه مستحيلة.
- البنية التحتية المتهالكة: في المناطق القروية والنائية، لا تزال المدارس تفتقر إلى أبسط المرافق الأساسية، كالمراحيض النظيفة والمختبرات والمكتبات، مما يحرم آلاف التلاميذ من حقهم في بيئة تعليمية صحية ومحفزة.
- استفزاز الأساتذة: استمرت الحكومة في سياسة تهميش الأساتذة، وتجاهل مطالبهم المشروعة، مما ينعكس سلبًا على جودة التعليم، ويدفع العديد من الكفاءات إلى هجر القطاع.
إن هذه الاختلالات ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي جوهر الأزمة التي تحتاج إلى حلول جذرية وشاملة، لا إلى تصريحات وردية تهدف إلى تلميع صورة وزارة عاجزة عن مواجهة التحديات الحقيقية.
“مدارس الريادة”: هل هي سوى فقاعة إعلامية؟
إن تصريح الوزير برادة، في ظل هذه الظروف، لا يمكن اعتباره سوى محاولة يائسة لتسويق منتج لم يثبت نجاحه بعد، وربما لن يثبت. فـ”مدارس الريادة” ليست سوى مشروع جزئي ومحدود، لا يمس سوى نسبة ضئيلة من المؤسسات التعليمية، مما قد يؤدي إلى خلق نظام تعليمي قائم على التمييز بين التلاميذ، بين من يحظى بـ”مدارس الريادة” ومن يقع ضحية الإهمال والتهميش.
إن الأزمة الحقيقية في قطاع التعليم المغربي لا تكمن في غياب “الريادة”، بل في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لإصلاح شامل ومستدام، وفي استمرار وزراء في تقديم خطابات عائمة بعيدة كل البعد عن الواقع، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: إلى متى سيستمر المسؤولون في خداع الرأي العام بمشاريع وهمية، بينما ينهار مستقبل أجيال بأكملها؟






