سياسة

فرنسا تحت النار: «لنغلق كل شيء» يشعل المدن ويهزّ عرش ماكرون

تحوّل الغضب إلى اشتعال. في 10 شتنبر 2025 خرجت حشود غاضبة إلى الشوارع تحت شعار «لنغلق كل شيء / Bloquons tout» في محاولة لشلّ البلاد والضغط على السلطة رفضًا لسياسات التقشّف والميزانية المقترحة، فاشتبكت مجموعات محتجة مع قوات الأمن، أُضرمت حرائق في نقاط متعددة، وفرضت اختناقات على محاور النقل الرئيسية. التصعيد استدعى تعبئة أمنية كبرى عشرات الآلاف من عناصر الشرطة والدرك في كلّ أنحاء البلاد.

لا ينبغي تجاهل المشهد البصري: حاويات قمامة تحترق، حواجز مشتعلة على طرق محورية، قطارات متعطّلة، وحافلات محروقة في بعض المدن — لقطات تُعيد إلى الذاكرة موجات الغضب التي شهدتها فرنسا سابقًا. أرقام الاعتقالات تقدّمت بسرعة خلال الساعات الأولى، وأكدت وكالات أن عدداً كبيراً من المتظاهرين أوقفوا على ذمة التحقيق بينما انتشرت غازات مسيلة للدموع لفضّ التجمعات.

وردت على منصات التواصل صورًا ونصوصًا تصف المشهد بعبارة صادمة: «أنّ فرنسا تحت النار — المحتجون هاجموا مقرات وزارية وأضرموا النيران…». هذه العبارة انتشرت كعنوان عصيّ على النسيان، لكنها – من زاوية التحقّق الصحفي – لا تبدو موثّقة حتى الآن من قبل المصادر الإخبارية الكبرى: تقارير وسائل الإعلام الدولية والمحلية المتاحة تؤكد وقوع حرائق وإقامات متاريس ومواجهات عنيفة واعتقالات، لكنها لم تؤكّد اقتحامات منهجية أو إحراقًا واسعًا لمقار وزارية رسمية كما تُروّج بعض المنشورات على السوشيال ميديا. بمعنى آخر: الصور والعواطف حقيقية، وبعض الادعاءات تحتاج إلى توثيق مستقل.

المُحرّك المباشر هو رفض أجزاء واسعة من الشارع لخطة تقشّف حكومية تتضمّن توفيرات ضخمة في الإنفاق العام (مبالغ بالآداء والحديث عنها في الأوساط الإعلامية)، إلى جانب استياء متراكم من سياساتٍ أطلق عليها كثيرون أنها تصب في صالح النخبة وتترُك الخدمات الأساسية متآكلة. تشكّل الحراك الحالي خليطًا من شباب ناقد، عمّال، نقابيين، ومجموعات يسارية — ومع تفاعلها على شبكات مثل تيك توك وتلغرام أصبحت الدعوة لشلّ اليوم مؤطّرة وواسعة الانتشار. كما تضاف الأزمة السياسية: سقوط حكومة فرانسوا بايرو وتعيين سيباستيان ليكورنو رئيسًا للوزراء أعاد إحلال الشرخ السياسي على المشهد، ما جعل الحراك يختبر صدر الحكومة الجديدة فورًا.

الخصوصية الأهمّ هي افتقاره لقيادة مركزية واضحة؛ الحراك وُلد على الإنترنت وانتقل إلى الشارع عبر جموع متعدّدة الأجندة. هذا يفسّر اتّساع لونه السياسي (يمين متطرف، يسار راديكالي، شبيبة مستقلة) وفي الوقت نفسه يرفع من احتمال تسلّل عناصر عنيفة تستغل الفوضى لتحقيق أهدافها. الخطر هنا مزدوج: فقدان مطالبه الأساسية في ضجيج العنف، ومعه تبرير توسّع ردّ الدولة الأمني.

مأزق ماكرون والحكومة: الأزمة تضاعف من صعوبة تمرير أيّ برنامج إصلاحي أو تقشفي؛ السلطة أمام خيارين عاميين متناقضين: التراجع والتفاوض لتقليل الغضب الشعبي (مخاطرة سياسية داخلية)، أو التشديد الأمني والمضيّ في البرنامج (مخاطرة بتصعيد أكبر وفقدان الشرعية الاجتماعية).

اقتصاد ومرافق متأثرة: تعطّل قطاعات النقل والعمل والتعليم والخدمات يترجم فورًا إلى خسائر اقتصادية، ويزرع استياءً عابرًا بين المواطنين الذين يعانون من اضطراب يومهم الروتيني.

استمرار الموجات الاحتجاجية: دعوات لاحقة (مواعيد إضرابات وتعبئة نقابية لاحقة) قد تعمّق الأزمة إذا لم يُقدّم حل سياسي سريع ومحسوب.

سيناريو الاحتواء والتفاوض: حكومة ماكرون (أو رئيس الوزراء الجديد) قد يختار واجهة تفاوضية مع نوّاب ونقابات لتفكيك غضب الشارع عبر تنازلات محدودة وإرجاء أجزاء من الخطة. هذا سينقذ اللحظة لكنه يضع سقوفًا أعلى لمطالب لاحقة.

سيناريو التصعيد الأمني: تشديد التدخّل الأمني قد يطيح بسرعة بالقدرة التنظيمية للميليشيات الصغيرة، لكنه يفتح على دائرة عنف واسعة قد تجرّ البلد إلى مواجهة أعمق.

سيناريو انفراج انتخابي/سياسي: إذا نجحت المعارضة في توحيد خطابها، قد تفتح هذه الأيام على معارك برلمانية واستحقاقات سياسية تغير الخريطة الحكومية أو تسرّع في استحقاقات انتخابية محلية/وطنية.

فرنسا التي اعتدنا أن نراها صامدة في أزماتٍ مماثلة، اليوم أمام اختبار مركزي: هل تتحوّل موجة “لنغلق كل شيء” إلى شرارة تطيح بمزيد من الأسس السياسية، أم أن حكمة الدولة والمؤسسات ستطفئ النار قبل أن تأكل المزيد من الطحين؟ الشارع يتحدث بالعنف والصخب، والسلطة مطالبة الآن بخيار يوازن بين حفظ النظام واحترام مطالب الحياة المدنية — وإلا فستصل الأزمة إلى ما لا يُحمد عقباه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى