التقاعد فوق صفيح ساخن.. النقابات ترفض “الثالوث الملعون” وتتوعد الحكومة بمواجهة شرسة

دخل ملف إصلاح أنظمة التقاعد منعرجاً حاسماً، بعدما أعلنت النقابات الأكثر تمثيلية رفضها القاطع لأي إصلاح يتم على حساب الأجراء والمتقاعدين. الرسالة واضحة: “لا مساس بالحقوق، ولا قبول بالثالوث الملعون” الذي تسعى الحكومة إلى تمريره عبر رفع سن التقاعد، وتقليص المعاشات، وزيادة الاقتطاعات.
النقابات أكدت استعدادها للانخراط في حوار جاد، لكن بشرط أن يرافقه وضوح سياسي ومالي من الحكومة، وإشارات قوية تعكس حسن النية. فالإصلاح بالنسبة لها ليس مجرد إجراءات محاسباتية تُلقى على عاتق الموظف والمتقاعد، بل ورش وطني يستدعي التزامات ملموسة من الدولة.
أول مطلب يفرض نفسه هو الكشف عن الوضعية المالية الحقيقية لصناديق التقاعد، بعيداً عن التلاعب والغموض. النقابات تشدد على ضرورة تحيين المعطيات بشكل شفاف، وتمكين الفرقاء الاجتماعيين من جميع التفاصيل المالية. كما تطالب الدولة بإرجاع ما بذمتها من ديون متراكمة لفائدة الصناديق، وعلى رأسها الصندوق المغربي للتقاعد، ووضع جدول زمني واضح لذلك.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يشمل أيضاً استرجاع الأموال المنهوبة التي تورط فيها مسؤولون سابقون في ملفات ثقيلة، وعلى رأسها ما عرف بقضية الضمان الاجتماعي. فالإصلاح العادل لا يمكن أن يُبنى على تجاهل النهب الذي تعرضت له هذه الصناديق لعقود طويلة.
النقابات تقترح العودة إلى صيغة عادلة في تمويل صناديق التقاعد، تقوم على مبدأ الثلثين تتحمله الدولة والمشغلون، والثلث يتحمله الأجراء، كما هو معمول به في العديد من الدول المتقدمة. هذه الصيغة وحدها كفيلة بضمان توازن الصناديق على المدى البعيد دون سحق الموظف والمتقاعد.
وفي القطاع الخاص، تشدد النقابات على ضرورة فرض تطبيق القانون بحزم على كل الشركات التي تهرب من التصريح بأجرائها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو ما يحرم آلاف العمال من حقوقهم الأساسية، ويعمّق الأزمة المالية للصندوق.
ملف المعاشات بدوره حاضر بقوة في لائحة المطالب. النقابات ترى أن أي إصلاح لا يشمل الزيادة العامة في معاشات المتقاعدين لمواكبة الارتفاع الصاروخي لتكاليف المعيشة، يظل ناقصاً ومرفوضاً. فلا يُعقل أن يقضي متقاعد عقوداً من العمل ثم يجد نفسه عاجزاً عن تغطية أبسط ضروريات الحياة.
في المقابل، تتشبث الحكومة بضرورة إصلاح أنظمة التقاعد، وتؤكد أن النقاش ما يزال مفتوحاً مع النقابات في إطار الحوار الاجتماعي. لكنها إلى حدود الساعة لم تقدم التزامات مالية واضحة تضمن إنقاذ الصناديق من الإفلاس دون التضحية بحقوق الموظفين والمتقاعدين.
فالأكيد أن أي إصلاح جدي يجب أن يشمل ضخ الدولة لمبالغ مالية سنوية كما تفعل مع مؤسسات عمومية أخرى، مع ضمان الحكامة والشفافية في التدبير حتى لا يتكرر سيناريو الهدر والاختلاس الذي عاشته هذه الصناديق لعقود.
الحكومة سبق أن أجّلت الحسم في هذا الملف، غير أن اللحظة الحالية لا تسمح بالمزيد من التأجيل. ومع تصلب المواقف، يبدو أن السجال بين النقابات والحكومة يتجه إلى التصعيد، خصوصاً إذا حاولت هذه الأخيرة تمرير الإصلاح الأحادي الذي يُلزم الأجير والمتقاعد وحدهما بدفع فاتورة عجز لم يتسببوا فيه.
الكرة اليوم في ملعب الحكومة: إما أن تنخرط في إصلاح عادل ومنصف، أو أن تواجه غضب الشارع الذي لن يقبل التضحية بمستقبله من أجل أخطاء الماضي.






