سياسة

المغرب مقسوم: الأرقام الرسمية تفضح فشل “الحكومة” في تحقيق “العدالة المجالية”

بشكل صادم ومثير للقلق، كشفت أحدث الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن حقيقة مرة: المغرب مقسوم إلى قسمين. فبينما تتكدس الثروة والفرص في ثلاث جهات فقط، تعيش باقي الأقاليم على الهامش، في دليل قاطع على فشل ذريع للحكومات المتعاقبة في تنزيل “النموذج التنموي الجديد” وتحقيق العدالة الاجتماعية. هذه الأرقام، التي كان يفترض أن تكون مؤشرًا للتقدم، تحولت إلى وثيقة إدانة رسمية لسوء التدبير والقرارات التي تعمق الفوارق بدلًا من تضييقها.

“عودة المغرب النافع والغير النافع”

التقرير لا يحتاج إلى تأويل: ثلاث جهات فقط، هي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة، تستحوذ على 58.5% من الناتج الداخلي الإجمالي. هذا التركيز المهول للثروة يضع أكثر من نصف اقتصاد البلاد في يد ربع جهاتها، مما يجعل باقي الأقاليم تتسابق على الفتات. الأكثر إثارة للصدمة هو أن جهة الدار البيضاء-سطات وحدها تنتج ما يعادل 32.2% من الناتج الداخلي الإجمالي، أي ثلث الاقتصاد الوطني. هذه الأرقام تعيد إلى الواجهة المقولة القديمة والمؤلمة عن “المغرب النافع والمغرب غير النافع”، وتؤكد أن سياسات الدولة لم تنجح في إنهاء هذا الانقسام التاريخي.

الوعود في كفة والواقع في كفة أخرى

على مدى عقدين، لم تنجح “الحكومات المتعاقبة” في تضييق هذه الفوارق. فبرامج التنمية، بما فيها “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، لم تتمكن من خلق دينامية اقتصادية حقيقية في الجهات الأقل نموًا. ورغم الخطابات الرنانة حول “الجهوية المتقدمة” و”إعداد التراب الوطني”، بقيت الاستثمارات العمومية والموارد البشرية حكرًا على جهات بعينها.

الأمر لا يقتصر على الأموال فقط، بل يمتد إلى جودة الخدمات. فتوزيع الموظفين المدنيين يتركز هو الآخر في الخمس جهات الكبرى، مما يؤثر سلبًا على جودة التعليم والصحة في باقي المناطق، ويديم واقعًا مريرًا من التفاوت في التمتع بالحقوق الأساسية بين المواطنين.

“النموذج التنموي” في مهب الريح

ما يثير القلق هو أن هذه الأرقام تأتي في سياق إطلاق النموذج التنموي الجديد، الذي كان يهدف تحديدًا إلى تحقيق “العدالة المجالية”. فإذا كانت هذه هي النتائج بعد سنوات من العمل، فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل هذا النموذج محكوم عليه بالفشل؟ وهل أصبحت الخطط الحكومية مجرد حبر على ورق؟

إن التوجيهات الملكية الأخيرة، التي دعا فيها الملك محمد السادس في خطاب العرش إلى اعتماد “جيل جديد من التنمية” يقطع مع المقاربات التقليدية، هي بمثابة صفعة قوية للسياسات السابقة. فجلالة الملك أشار بوضوح إلى أن المغرب يسير “بسرعتين”، داعيًا إلى مقاربة جديدة تعزز التمكين الاقتصادي للجهات الهامشية، وتطوير أدوات تمويل جهوية، وإشراك الساكنة المحلية في اتخاذ القرار. هذه التوجيهات تضع الحكومة أمام مسؤولية تاريخية: إما العمل بجدية على تحقيق هذا التوازن، أو تحمل مسؤولية تعميق الانقسام المجالي الذي يهدد التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية.

ها هو رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يظهر في الصورة متضرعًا، ربما طلبًا للفرج بعد أن أغرق البلاد في أزمات متتالية! بينما يرفع يديه للسماء، يتساءل المغاربة: هل هي دعوات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سياسات حكومته الفاشلة، أم مجرد لقطة مصورة في محاولة يائسة لاستمالة الرأي العام؟

فبينما يقف المواطنون على أعتاب أزمات معيشية خانقة، وتردي الخدمات، وتعمق الفوارق الاجتماعية التي أظهرتها الأرقام الرسمية، يأتي أخنوش ليتضرع. هل تذكر دعوات الفقراء الذين يعانون من الغلاء وارتفاع الأسعار؟ هل يتذكر صرخات سكان القرى المحرومين من الماء والطرق؟

هذه الصورة المرفقة للمقال، لا تعكس سوى محاولة للاحتماء بالدين بعد أن فشلت السياسة والاقتصاد في تحقيق أبسط الوعود. إنها لقطة تكشف عن عجز حكومي ذريع، ومحاولة بائسة للظهور بمظهر المتدين، في حين أن الواقع المعيشي للمغاربة هو الذي يستدعي الدعاء والتدخل الإلهي لإنقاذهم من سياسات هذه الحكومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى