سياسة

أعضاء مكتب جهة فاس–مكناس يتشدقون باستقبال صانع محتوى أجنبي هاوٍ… والجهة تغرق في أزماتها..ووفد رسمي على المقاس في مشهد يختزل الانحطاط السياسي

في مشهد يثير الكثير من الجدل، ويختزل عمق الاختلال في ترتيب الأولويات داخل مجلس جهة فاس–مكناس، اختار أعضاء من مكتب المجلس تحويل مؤسسة دستورية يفترض أن تقود التنمية، إلى منصة للاستعراض الفارغ، من خلال استقبال صانع محتوى أجنبي هاوٍ، قادم من الكويت، لا يُعرف له وزن حقيقي في مجال التأثير، ولا رصيد يُبرر كل هذا “الاحتفاء الرسمي”.

الأمر لم يقف عند حدود لقاء عابر، بل تم تخصيص وفد رسمي كامل من مكتب المجلس، ضم النائب الأول يونس الرفيق و النائب الثاني عبد الحق أبوسالم، إلى جانب المدير العام للمصالح عدنان الزروقي، ومعهم النائبة الثالثة للرئيس حليمة الزومي وهم يصنفون بثلاثي التحكم داخل مجلس الجهة،فضلا  نائب رئيس مقاطعة أكدال محمد ادزيري في مشهد يوحي وكأن شخصية سيادية أو مسؤولًا رفيعًا حلّ بالجهة، لا مجرد صانع محتوى على منصة “تيك توك”.

هدايا، حلويات، صور تذكارية، واحتفاء مبالغ فيه… من المال العام.
مشهد بروتوكولي متكامل الأركان، صُرفت فيه أموال دافعي الضرائب بسخاء، في وقت تعيش فيه الجهة على وقع اختلالات حقيقية: مشاريع متعثرة، ضعف في جاذبية الاستثمار، بطالة، وتراجع في مؤشرات التنمية. وكأن القيامة قائمة من أجل “مؤثر”، بينما القضايا الحقيقية مؤجلة إلى إشعار آخر.

الأخطر من ذلك، أن أعضاء المكتب خرجوا يتشدقون بهذا الاستقبال، ويقدّمونه كإنجاز، متحدثين عن “إشعاع المغرب” و”الرأسمال اللامادي”، في خطاب يبدو منفصلاً تمامًا عن الواقع المعيشي للساكنة.
فأي إشعاع هذا الذي يُبنى بالحلويات والهدايا؟ وأي صورة تُرسم عبر صور عابرة على مواقع التواصل؟

في المقابل، يواصل المجلس إقصاء الإعلام المحلي بشكل ممنهج، وحرمان الصحفيين المهنيين من الوصول إلى المعلومة، في مفارقة صارخة: تهميش الداخل، والارتماء في أحضان “مؤثرين” من الخارج. فهل أصبح صحفيو الجهة عبئًا، بينما صار “التيك توكر” الأجنبي أولوية؟

ثم أين الدروس؟
ألم تكن واقعة صانع المحتوى السعودي خالد العليان كافية لفهم خطورة هذا التوجه؟ الرجل حظي بالترحيب، قبل أن ينقلب على المغرب مباشرة بعد مغادرته، ويتوجه إلى الجزائر لينشر خطابًا مسمومًا ومتناقضًا، في طعن واضح لصورة البلاد.
وأين العبرة مما وقع خلال كأس إفريقيا، حين تم استقبال عدد من المؤثرين الأجانب بحفاوة كبيرة، قبل أن يتحول بعضهم لاحقًا إلى منصات لانتقاد المغرب أو تمرير رسائل سلبية؟

كم مرة يجب أن تتكرر نفس الأخطاء؟
وكم مرة سيدفع المال العام ثمن “سذاجة تواصلية” لا تستند إلى أي رؤية؟

الحقيقة التي يتم تجاهلها، أن فاس لا تحتاج لمن يعرّف بها. مدينة تمتد جذورها لأكثر من 12 قرنًا، بثقل حضاري وثقافي عالمي، أكبر من أن تُختزل في زيارة عابرة أو فيديو قصير. الإشكال ليس في الترويج، بل في غياب الحكامة، في ضعف الرؤية، وفي انعدام الوعي السياسي لدى منتخبين لم يستوعبوا بعد أن التنمية تُبنى بالقرارات، لا بالصور.

ما يحدث اليوم داخل مجلس جهة فاس–مكناس ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة ضمن سلسلة من الاختلالات:
سفريات إلى الخارج تمتد لأكثر من أسبوع دون نتائج ملموسة، استقبالات شكلية، هرولة سياسية بلا بوصلة… مقابل واقع تنموي صعب، وانتظارات متزايدة لساكنة الجهة.

إنه، بكل وضوح، انحطاط سياسي وعبث و غياب للرؤية و الحكامة في تدبير الشأن العام حين تتحول المؤسسات إلى فضاءات للفرجة، ويُهدر المال العام في ما لا يفيد، بينما الأولويات الحقيقية تُترك جانبًا.

الرهان الحقيقي اليوم ليس في “التشدق” ولا في صناعة الصور، بل في إعادة الاعتبار للإعلام المحلي، وفي تعزيز الشفافية، وفي بناء سياسات تنموية حقيقية تعيد الثقة للمواطن.

أما الاستمرار في هذا النهج، فلن ينتج سوى مزيد من العبث… ومزيد من فقدان المصداقية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى