ملف الأحد | دكاكين انتخابية تبيع الوهم… والأحزاب تجرّ السياسة إلى حضيض التشاور مع الداخلية

ملف الأحد من إعداد : عبدالله مشواحي الريفي
في مشهد سياسي يشيّ عليه الانحطاط أكثر مما يشيّ عليه التنافس، تبدو الأحزاب المغربية اليوم أكثر انصياعًا للمنطق التاجر منه إلى منطق الممارسة الحزبية المسؤولة. لم يعد الكلام عن «حزب» يعني مؤسسة سياسية تصوغ برامجًا وتؤطّر قواعد، بل تحول إلى لافتة تُستعمل موسمياً من أجل جمع الأصوات وتجزئة النفوذ. بلغةٍ قاسية: الأحزاب منخورة، ودكاكين انتخابية تفتح أبوابها وقت الحملة لتغلقها بعدها، بينما تبقى السلطة الحقيقية في أيدي أجهزة ضيقة لا علاقة لها بالقواعد ولا بمصلحة المواطن.
منذ لحظةٍ وجيزة أعلن أحد القيادات المنخورة داخل المشهد السياسي و هنا أخص إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الإتحاد الإشتراكي الحزب الوطني و التاريخي و مؤسس اليسار بالمغرب، أنه «يفضّل التشاور مع وزارة الداخلية لا مع المواطنين»، وهو تصريح يُثبت ما كنا نخشاه: أن أنظمة اتخاذ القرار داخل الأحزاب فقدت مشروعيتها وصارت تدار عبر ما يشبه الملحقات الإدارية أكثر من كونها منتجا للحوار المجتمعي والمصلحة العامة.
أحزابٌ في حالة تحلل: الأسباب والنتائج
ما نراه اليوم هو نتيجة تراكم سنوات من الانحرافات التنظيمية والسلوكية: قادة صعدوا عبر ولاءاتٍ ضيقة لا عبر عمل حزبي معمق، هياكل مركزية لم تعد تؤمن بالدورة الحقيقية للقرار، وأطر شابة مغيبة تُستدعى مواضيعيًا للتوقيع والمشاركة الشكلية لملء الفراغ الشعبي. النتيجة: أحزابٌ عاجزة عن إنتاج خطابٍ يجذب الناخب، وخارجة عن وظيفتها الأساسية كمؤسسة وسيطة بين الدولة والمجتمع،و غير موجودة في محطات الدفاع عن الوطن.
هذا الإفلاس الداخلي يتحول سريعًا إلى محاولات تعويضية: إما عبر «ماكينات انتخابية» تعمل بمنطق الزبونية والمال، وإما عبر البحث عن «شرعية خارجية» عبر ادّعاءات التشاور مع جهات إدارية. وفي الحالتين يخسر المواطن: إما لأن اختياره يُشترى، أو لأن اختياره يصبح هامشياً أمام اتفاقات مُعدّة مسبقًا خارج الصندوق الانتخابي.
لماذا تلجأ الأحزاب إلى «التشاور مع الداخلية»؟ قراءة في الدوافع
هناك مجموعة عناصر تقنع بعض القيادات بأن الطريق إلى المقاعد يمرُّ عبر قنوات إدارية/محلية لا عبر إقناع الناخبين:
-
فشل الديمقراطية الداخلية: عندما تنعدم المؤسسية، يصبح القرار حكراً على دوائر ضيقة؛ ولأن هذه الدوائر لا تملك قاعدة شعبية حقيقية، يلجأ أصحابها إلى من يسهل عليهم تمرير مخططاتهم.
-
الاعتماد على آليات القوة التقليدية: شبكات محلية، مصالح اقتصادية، وموارد تُستغل عند الحاجة.
-
الإغراء القصير للنتائج: الفوز عبر تفاهمات خلفية يبدو أسهل وأسرع من بناء برنامج طيلة سنوات.
-
خوف من المحاسبة الداخلية: فتح باب النقاش داخل الأحزاب قد يكشف هشاشة قياداتها، فتبادر القيادات إلى إقصاء النقاش وتحويله إلى «تشاور خارجي» لاحتواء الانتقادات.
هذه المعادلة تُعكس في سلوك يفقد العملية الانتخابية معناها: تنافس برامج يتحول إلى تسابقٍ على مواقع عبر تقاطعات مع الإدارة الترابية، وهو ما يؤسس لشرخٍ في العلاقة بين المواطن والمؤسسة الحزبية.
الماكينات الانتخابية: وصفٌ دقيق لآفةٍ منتشرة
مصطلح «الماكينة الانتخابية» لا يصف مجرد تنظيمٍ انتخابي فاعل، بل يشير إلى منظومة تعتمد على تعبئة موسمية للموارد البشرية والمالية، تُستعمل لانتزاع أصوات عبر وعودٍ ووسائط يتجاوز فيها الإقناع المشروع. هذه الماكينات تعمل بنمط: تعبئة قبل الحملة، شراء أصوات خلال الحملة، وتلاشي بعد الحملة. تحوّل الانتخابات في هذه الحالة إلى موسم تجاري أكثر منه إلى مناسبة سياسية لتداول السلطة.
الخطير هنا أن بعض القيادات أصبحت تتفاخر بأنها «ستنسق مع الولايات والعمالات» لا مع قواعدها، وأن مشروعية الترشح ووجهة قوائمها تُبتّ في مكاتب إدارية أو عبر وساطاتٍ محلية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنائمٍ لا بتوزيع تمثيلٍ مدني. هذه التصريحات ليست مجرد هراء؛ إنها إعلان تراجعٍ لمؤسساتٍ كان من المفترض أن تظلّ حائط صدّ أمام فوضى المصالح الضيقة.
وزارة الداخلية: دورها الحقيقي وحدودها الدستورية
من البديهي القول إن وزارة الداخلية جهاز إداري مؤسساتي مهمته ضمان السير القانوني للعملية الانتخابية، تأمينها، وتوفير الشروط اللوجستية. الدستور والنصوص التنظيمية تحددان هذا الدور بوضوح: ليست وزارة داخلية طرفًا سياسياً في المنافسة، ولا وصية تمنح امتيازات. هي مشرفة فنية وإدارية، وعلى الأحزاب أن تبقى في مسافةٍ واضحة معها كي تبقى اللعبة نظيفة ومحصنة شرعياً.
التصريحات التي تزعم خلاف ذلك — وتدّعي وجود «تشاورات» تمنح امتيازات — لا تمس فقط مصداقية الحزب الذي يصدرها، بل تضرب ثقة المواطنين في نزاهة العملية برمتها. إن إدّعاء وجود بابٍ خلفي للترشيحات عبر مشاورات إدارية يفتح المجال للتآكل المؤسسي ويقوّض أساس التمثيل الديمقراطي.
خطابٌ ملكيّ واحد: حماية النزاهة والردع
في مقابل الانحدار الحزبي هذا، تظلُّ الموازين الرسمية واضحة؛ فالمؤسسة الملكية تؤكد مرارًا على التزام المغرب بمسار ديمقراطي يقوم على نزاهة الاستحقاقات وربط المسؤولية بالمحاسبة. الحاجة إلى انتخابات شفافة ونزيهة أصبحت تتكرر في الخطابات الرسمية، وفي ممارسات تفعيل النصوص القانونية المتعلقة بالانتخابات، ما يضع كل من يحاول استغلال المناخ لصالحه في مواجهة مع مؤسساتٍ كبرى تطالب بالالتزام بالقواعد العامة للمنافسة.
خطرٌ مزدوج: فقدان الثقة وتضخيم الدعوات للإصلاحات القسرية
إذا استمر النهج الحالي، فالمخاطر ليست محصورة في فقدان بعض المقاعد أو نكسات انتخابية؛ بل تشمل تآكل ثقة المواطن في كل مؤسسات التمثيل، ما قد يدفع إلى نزعات رفضية وارتفاع خطاب الاستياء الشعبي. كما أن استمرار الممارسات هذه يغذي دعوات مشروعة لإصلاحات جذرية او مواصلة مقاطعة التصويت .
التجربة التاريخية والفقه الدستوري يشيران إلى أن الطريق الأنسب هو الإصلاح المؤسساتي المدروس، لا الضربات العشوائية التي قد تولّد فراغًا مؤسسياً.
خارطة طريق قاسية لكن قابلة للتنفيذ: كيف نستعيد السياسة من الدكاكين؟
-
إعادة بناء الديمقراطية الحزبية داخليًا: فرض قواعد شفافية في صنع القرار، إلزامية عقد المجالس الوطنية للتشاور في كل القضايا ، ونشر المحاضر وفتحها للمراقبة الداخلية.
-
ميثاق شرف انتخابي: اتفاق عام بين الأحزاب يجرّم الزجّ بوزارة الداخلية أو أي هيئات إدارية في المفاوضات الحزبية (خطابياً وعملياً) ويعاقب المخالفين سياسياً وإعلاميًا.
-
إصلاح مالي وسياسي للأحزاب: الشفافية في تمويل الأحزاب، منع التمويلات المشبوهة، وإلزامية الإعلان عن الموارد قبل الحملات.
-
تعزيز دور المجتمع المدني والمراقبة المستقلة: فتح مساحات للمنظمات المراقبة والهيئات الأكاديمية للمشاركة في تقييم سير الحملات والانتخابات.
-
نقاش قانوني حول استقلالية الهيئة المشرفة على الانتخابات: دراسة تجارب دولية وإمكانية وجود هيئة تضمن المسافة بين الإدارة والطرف السياسي دون المساس بالدولة.
هذه الإجراءات ليست مُثالية في حد ذاتها، لكنها تشكل بداية ضرورية لاستعادة ثقة المواطن. لا يكفي أن تُعاد ترداد شعارات «الشفافية» و«ربط المسؤولية بالمحاسبة» دون تغييرات مؤسسية تمنع عودة الظاهرة ذاتها في كل محطة انتخابية.
ما الذي يجب قوله لكل قياديٍ يتباهى بالتشاور مع الإدارة؟
أقولها بصراحة: من يفتخر بأنه «يتشاور مع وزارة الداخلية و مع الولاة والعمالات» بدل أن يتشاور مع قواعد حزبه، يعلن للعالم أنه فاقدٌ للمشاريع والأفكار، وأن بضاعته السياسية فاسدة. القيادي الذي يستخف بالمواطن ويرفض إشراكه في صياغة المواقف، ليس إلا تاجرًا يستبدل البرنامج بالوساطة، والممارسة بالاستجداء. إذا اعتبرتم أن الطريق إلى السلطة يمر عبر مكاتب إدارية فلا تستغربوا حين تصبحون قصصًا تُروى في كتب السياسة كأمثلة على فشل الحِكامة الحزبية.
المواجهة ليست مع الداخلية، بل مع الذات الحزبية
الداخلية ليست العدو، والمواطن ليس عبئًا. المشكلة الحقيقية تكمن في أحزابٍ قررت أن تصبح متاجر للسلطة بدل أن تكون مدارس للسياسة. إن أردنا فعلاً دولة مؤسسات، فعلينا أن نعيد للحزب وظيفته: تمثيلًا، تأطيرًا، ومشروعًا مجتمعياً. أما من يفضّل القنوات الخلفية فعليه أن يعرف أن الزمن تغير، وأن المواطن اليوم أكثر وعيًا، ولن يسمح بأن تُسرق إرادته عبر تفاهماتٍ تضعه في مرتبةٍ ثانية.






