سياسة

برلمان على صفيح ساخن.. ملفات قضائية تحاصر المنتخبين وتنسف الثقة قبل انتخابات 2026

مع بداية النقاش حول القوانين الانتخابية الجديدة، تتفجر من جديد فضائح البرلمانيين المتابعين قضائيًا، لتعيد إلى الواجهة سؤالًا أكبر: كيف يمكن الحديث عن نزاهة صناديق الاقتراع بينما المؤسسة التشريعية نفسها ملوثة بشبهات الفساد والريع؟

وزارة الداخلية تستعد لإطلاق مشاورات واسعة مع الأحزاب من أجل صياغة ترسانة قانونية جديدة قبل نهاية السنة، لكن ما يطفو فوق السطح يفضح عمق الأزمة: أحزاب تمنح التزكيات بكرم غير محسوب، وسياسيون يتنقلون بين مقاعد البرلمان وقاعات المحاكم، وشعب ينظر بعين السخط إلى مؤسسة كان يفترض أن تجسد صوته فإذا بها تتحول إلى مرادف للصفقات والفضائح.

الملفات القضائية التي تلاحق أربعة برلمانيين حاليين ـ من يونس بنسليمان وملف “كوب22” العالق في دهاليز القضاء، إلى محمد السيمو ومحمد أبرشان اللذين نالا البراءة، وصولًا إلى عبد العزيز الوادكي المحكوم “بما قضى” ـ تبدو في ظاهرها حالات محدودة، لكنها كافية لنسف صورة برلمان من 515 عضوًا. يكفي أن اسم نائب واحد يقف أمام القضاء ليهتز ميزان الثقة.

أما الصورة الأكثر قتامة فتتجلى في لائحة البرلمانيين السابقين الذين سقطوا تباعًا في ملفات فساد ورشاوى وتهريب أموال: من بودريقة ومبديع والحيداوي وكريمين والزيدي و الفايق و البوصيري والراضي… قائمة طويلة تكشف أن العطب ليس في أشخاص معزولين بل في بنية حزبية تمنح التزكية لمن يملك المال والنفوذ أكثر مما تمنحها لمن يملك الكفاءة والنزاهة.

الخطاب الملكي في يوليوز 2025 حدد بدقة مسار الإصلاح السياسي، لكن الواقع يفضح فجوة بين النصوص والممارسة. الدولة قد تصوغ أقوى القوانين وتفرض أشد المراقبات، لكن ماذا تفيد النصوص إذا كان المرشحون أنفسهم يجرّون وراءهم ملفات سوداء أو شبهات ثقيلة؟

الأزمة، إذن، ليست تقنية ولا قانونية فقط، بل أخلاقية بالأساس. الناخب المغربي لم يعد يصدق الشعارات الفضفاضة حول الشفافية وتمكين الشباب والنساء، ما دام يرى نفس الوجوه الملوثة تعود إلى اللوائح الانتخابية وكأن شيئًا لم يكن. كيف يُطلب من المواطن أن يمنح صوته لمن قد ينتهي به المطاف في زنزانة؟

الانتخابات المقبلة في شتنبر 2026 مرشحة لتكون محطة فاصلة: إما أن تستعيد الدولة والأحزاب معًا الحد الأدنى من الثقة عبر إقصاء الأسماء المشبوهة وتجديد النخب، وإما أن يستمر مسلسل العزوف الشعبي وتتعمق القناعة بأن السياسة مجرد غنيمة وليست خدمة عمومية.

الملف القضائي للبرلمانيين، سواء من هم قيد المتابعة أو من سقطوا في السنوات الأخيرة، ليس مجرد حوادث معزولة. إنه مرآة أزمة أخلاقية تضرب شرعية المؤسسات المنتخبة. فإذا لم يُقطع الحبل السري بين المال الفاسد والسلطة التشريعية، فإن البرلمان سيظل ساحة للاشتباه بدل أن يكون فضاءً للتشريع والمحاسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى