عطش “عاصمة السدود”: تاونات تتجرع مرارة غياب الماء.. و”قلاع” البام الانتخابية تتهاوى!

فاس24- تاونات
في مفارقة مؤلمة تدمي القلوب، يعاني سكان إقليم تاونات، الذي يفتخر بكونه “عاصمة السدود” في المغرب بأكثر من 5 سداً كبيراً، من أزمة عطش خانقة تضرب بعرض الحائط كل الشعارات التنموية. فبينما تتزين أراضي الإقليم بالبحيرات الاصطناعية الشاسعة التي تروي مدناً بعيدة، يجد أهالي دواوير مثل “تزركان” التابعة لجماعة “تمزكانة” بقبيلة بني زروال أنفسهم في صراع يومي مرير من أجل قطرة ماء، في مشهد يعيد للأذهان صور قرون مضت وكأننا في عالم آخر.

الصورة المرفقة، التي تجسد معاناة حقيقية، لا تحتاج لتعليق مطول. إنها صرخة صامتة لطوابير من الحمير المحملة بـ”بوطات” الماء، نساء وأطفال وشيوخ ينهضون مع الفجر للوقوف في طوابير طويلة مع ذوابهم” ، في رحلة شاقة نحو نبع قد يكون بعيداً، بحثاً عن أغلى ما في الوجود، الماء. هذه المشاهد البائسة ليست مجرد صور عابرة، بل هي انعكاس لواقع مرير لدوار و دواوير كثيرة تعيش على هامش التنمية، رغم قرب الإقليم من مصادر مائية هائلة يفترض أن تكفيه وتفيض. كيف يعقل أن يعاني الأهالي من العطش بينما الإقليم يمتلك أكبر عدد من السدود في المملكة، بما فيها سد الوحدة وسد إدريس الأول وسد بوهودة، إضافة إلى المشاريع الجديدة مثل سد الرتبة؟
ويأتي هذا الواقع المزري ليضع علامات استفهام كبرى حول أداء المسؤولين المحليين، وعلى رأسهم رئيس جماعة تمزكانة، البرلماني والمنسق الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة، محمد احجيرة. ففي الوقت الذي تتفاقم فيه معاناة الساكنة مع العطش الذي بات تهديداً وجودياً، يبدو أن “قلاع” احجيرة الانتخابية بدأت تتهاوى وتفقد بريقها، وخير دليل على ذلك ما شهدته الانتخابات الجزئية التي جرت أول أمس الثلاثاء بجماعة بوهودة.
في تلك الانتخابات، تلقى حزب الأصالة والمعاصرة الذي يتزعمه احجيرة بالمنطقة، ضربة موجعة بفقدانه مقعداً لصالح حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي بدأ يكتسح الساحة السياسية في الإقليم، وكأنه “يأتي على اليابس والأخضر” كما يقول المثل الشعبي. هذه الهزيمة ليست مجرد خسارة مقعد، بل هي مؤشر واضح على تراجع شعبية محمد احجيرة وحزبه في المنطقة، في ظل حالة من السخط الشعبي المتنامي بسبب غياب الحلول الجذرية لأزمة الماء، وغيرها من المشاكل التنموية المستفحلة التي ظلت وعوداً انتخابية جوفاء.
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، فالتصدعات داخل حزب الأصالة والمعاصرة بالإقليم تتفاقم، مع الأنباء التي تشير إلى أن برلمانيين آخرين، مثل “فويقر” و هو ما يظهر تخليه عن الحزب و فقدانه لمقعد انتخابي بالجماعة التي يرأسها، قد قرروا مغادرة الحزب وعدم الترشح في الاستحقاقات القادمة بسبب “التطاحنات والصراعات الداخلية” التي تعصف ببيت الحزب. هذه الانشقاقات والانقسامات تلقي بظلالها على قدرة الحزب، وبالتالي قدرة رئيس الجماعة، على تحقيق أدنى تطلعات الساكنة، وتؤكد أن الأولوية لم تعد للتنمية بل للمناورات السياسية الداخلية.
إن الوضع في تاونات ليس مجرد مشكلة تقنية في توزيع الماء، بل هو أزمة حكامة وتنمية، ورهان حقيقي على مصداقية المسؤولين المنتخبين، وفي مقدمتهم محمد احجيرة، في الوفاء بتعهداتهم الانتخابية وتقديم حلول حقيقية لأزمة إنسانية بامتياز. فهل ستظل “عاصمة السدود” تتجرع مرارة العطش، بينما “قلاع” السياسيين تتهاوى تحت وطأة الإهمال والوعود الكاذبة؟ أم أن صحوة الضمير السياسي قد تأتي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا الإقليم المنسي؟





