مجتمع

“رقص وهشتاغات و “كلاشات:: هل تحولت منتخبات فاس مكناس إلى نجمات سوشيال ميديا؟”

تحت قبة مجالس منتخبة يفترض أنها صروح للعمل الجاد والترافع عن مصالح المواطنين، وفي دهاليز جهة فاس مكناس  وجماعات ترابية و مجموعة الجماعات التي تتطلع إلى تنمية شاملة، و التي كان من الأجدر ان نجد بها منتخبات همومهن هو هموم الساكنة ،لكن بدأت تطفو على السطح ممارسات تثير أكثر من علامة استفهام. فبينما ينتظر السكان قرارات ومشاريع ترتقي بحياتهم اليومية، تجد أسماء لامعة في المشهد السياسي المحلي، وخاصة  نساء، ينخرطون بحماس منقطع النظير في عالم المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي.

لم يعد الأمر مجرد مشاركة روتينية لأنشطة أو آراء سياسية، بل تحول في كثير من الأحيان إلى استعراض للحياة الشخصية، ونشر لمقاطع فيديو يتردد فيها الغناء، أو الظهور في لقطات أقرب إلى الترويج الذاتي منها إلى تمثيل المسؤولية. وبينما تتصاعد التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الجهة، يجد المراقبون أنفسهم أمام مشهد غريب:  منتخبات يقضون أوقاتاً لا يستهان بها في ترديد الأغاني و الترنح على الصفحات الاجتماعية و في الرد على “الكلاشات” وتبادل الاتهامات عبر تدوينات لا ترقى إلى مستوى النقاش السياسي الهادف.

إن غياب التأطير الحزبي الرصين والانزلاق نحو ما يمكن وصفه بـ”الميوعة السياسية” يفتح الباب واسعاً لمثل هذه الممارسات. صحيح أن للحياة الخاصة حرمتها عندما لا يرفع عنها الستار في عالم المؤثرات ،لكن هذا المبدأ يصبح محل نقاش عندما يتعلق الأمر بمن اختاروا تحمل أمانة تمثيل الشعب. فالثقة التي وضعت في هؤلاء المنتخبات تستوجب منهم قدراً عالياً من الالتزام والجدية، والتركيز على القضايا الجوهرية التي تهم الساكنة.

إن انخراط بعض الشخصيات المنتخبة في الترويج لأنفسهن كمؤثرات على وسائل التواصل الاجتماعي يثير العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة أولوياتهن والتزاماتهن تجاه ناخبيهن. فبدلًا من التركيز الكامل على معالجة القضايا الجوهرية التي تهم المواطنين والسعي لتطبيق الوعود الانتخابية، تنشغل هؤلاء المنتخبات في كثير من الأحيان بإنتاج محتوى رقمي بهدف زيادة عدد المتابعين والحصول على الإعجابات والتعليقات. والأكثر إثارة للقلق هو أن هذا المحتوى الذي يقدمنه غالبًا ما يكون هابطًا وسطحيًا، ولا يرقى إطلاقًا إلى مستوى المسؤولية التي يحملنها كعضوات في المجالس المنتخبة. فبدلًا من تقديم تحليلات معمقة للقضايا أو اقتراح حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه المجتمع، يكتفين بمشاركة تفاصيل حياتهن اليومية أو الخوض في مواضيع تافهة لا تسهم في أي نقاش بناء أو تقدم أي قيمة حقيقية للمواطنين. هذا التوجه يرسخ صورة سلبية عن العمل السياسي ويقوض ثقة الجمهور في ممثلاته، حيث يُنظر إليهن على أنهن يبحثن عن الشهرة والمتابعين بدلًا من خدمة الصالح العام والوفاء بالمسؤوليات التي انتُخِبن من أجلها.

إن تحول بعض أعضاء المجالس المنتخبة إلى “مؤثرين” قد يثير تساؤلات حول الأولويات الحقيقية لهؤلاء الأشخاص. هل الهدف هو خدمة المواطنين والدفاع عن حقوقهم، أم البحث عن مزيد من الشهرة والمتابعين على حساب الواجبات والمسؤوليات؟ولو على استعراض مهارتهن في ترديد الاغاني و نقل أشرطة فيديو من مختلف مناطق المغرب و حتى من الخارج.

إن الرسالة التي توجهها الأحزاب السياسية من خلال اختيار مرشحين غير مؤهلين أو غير ملتزمين بأخلاقيات العمل السياسي لهي رسالة سلبية للغاية. لقد آن الأوان لهذه الأحزاب أن تعيد النظر في معايير اختيار ممثليها، وأن تبحث عن نخب حقيقية قادرة على حمل هموم الجهة والدفاع عنها بصدق وأمانة، بدلاً من الانجرار وراء بريق الشهرة الزائفة الذي توفره منصات التواصل الاجتماعي.

إن جهة فاس مكناس تستحق تمثيلاً قوياً وفاعلاً، يركز على التنمية المستدامة والارتقاء بحياة المواطنين. أما الانشغال بالرقص والترويج الذاتي وتبادل الاتهامات، فهو ليس فقط مضيعة للوقت والجهد، بل هو استهانة بالثقة التي منحها السكان لهؤلاء المنتخبين. فهل ستستفيق الأحزاب وتدرك خطورة هذا الانزلاق نحو “سلطة المؤثرات” على مستقبل العمل السياسي في الجهة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى