“180 مليار درهم استثمارات عمومية لـ 2026.. ولكن: صرخة التنمية الجهوية تكشف خريطة “مغربين” في توزيع ثروات المقاولات الكبرى!”

في خطوة تؤكد الدور المحوري للمؤسسات والمقاولات العمومية (Etablissements et Entreprises Publics – EEP) كقاطرة للنمو الوطني، أشار التقرير المرفق بمشروع قانون المالية للعام المقبل إلى توقعات بارتفاع إجمالي استثماراتها ليصل إلى 179.72 مليار درهم في عام 2026، مسجلاً نمواً بنسبة 6% مقارنة بتوقعات نهاية 2025.
ويُعزى هذا الحجم الهائل من الاستثمارات بشكل أساسي إلى تركيز الجهود على ثماني مؤسسات عمومية عملاقة، تستحوذ مجتمعة على أكثر من 75% من الحجم المتوقع. وتتصدر هذه القائمة: المجمع الشريف للفوسفاط (52.54 مليار درهم)، والمكتب الوطني للسكك الحديدية (20.56 مليار درهم)، والشركات الجهوية متعددة الخدمات (19.55 مليار درهم)، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (17.18 مليار درهم). ويؤكد استمرار هذا المستوى المرتفع من الاستثمارات، الذي يُتوقع أن يتجاوز معدله السنوي 168.74 مليار درهم للفترة ما بين 2026 و2028، الدور الاستراتيجي لهذه الهيئات في ضمان استدامة النموذج التنموي الوطني.
تركيز استثماري خانق: ثلاث جهات تلتهم 64% من الحصة
على الرغم من الأرقام الكبيرة والمؤشرات الإيجابية للاستثمار الإجمالي، يكشف تحليل التقرير عن اختلال هيكلي مقلق في التوزيع الجغرافي لهذه الثروات العمومية. فبينما يُفترض أن تكون الجهوية المتقدمة هي الإطار الحاكم للتنمية المتوازنة، يبرز التقرير تركيزاً جغرافياً مهماً في جهود الاستثمار.
ففي عام 2025، من المتوقع أن يتم توجيه أكثر من 64% من إجمالي الاستثمارات إلى ثلاث جهات فقط: الدار البيضاء-سطات (30.6%)، والرباط-سلا-القنيطرة (19.4%)، ومراكش-آسفي (13.6%). ومن المرتقب أن يستمر هذا النمط في عام 2026.
“مغرب الهوامش”: جهات تُقصى بحصة أقل من 3%
في المقابل الصارخ، تُظهر بيانات التقرير أن جهات أخرى مثل درعة-تافيلالت، وسوس-ماسة، وكلميم-واد نون، والداخلة-واد الذهب، مازالت تستفيد من حصص استثمارية أقل بكثير، وغالباً ما تقل عن 3% من الإجمالي.
هذا التفاوت الصارخ يفاقم التفاوتات بين الجهات، ويسلط الضوء على حدود الأثر التوزيعي للاستثمارات العمومية الحالية، ويؤكد استمرار التوجه نحو ضخ الأموال في “الأقطاب الحضرية” التي استفادت تاريخياً من التجهيزات والبنيات التحتية الكبرى. هذا الوضع ينذر بترسيخ مفهوم “مغربين”؛ مغرب متقدم غني بالبنى التحتية، ومغرب الهوامش الذي يكافح من أجل الحصول على الحد الأدنى من الاستثمار.
دعوة لتحول استراتيجي: العدالة المجالية كشرط للتنمية
أمام هذا الواقع، لم يتردد التقرير في التشديد على ضرورة تحقيق انسجام أكبر بين مخططات استثمار المؤسسات والمقاولات العمومية والاستراتيجيات الجهوية للتنمية، بما يضمن تقارب الجهود العمومية في اتجاه إعادة التوازن الترابي.
وشدد المصدر على أهمية إدماج معايير “الأثر الترابي” و”العدالة المجالية” بشكل منهجي في عمليات التخطيط والتحكيم المتعلقة بالاستثمارات. ووفقاً للتقرير، فإن هذا التحول الاستراتيجي “يعد شرطاً أساسياً لتجسيد الرؤية الملكية لمغرب متضامن ومندمج وعادل”، حيث تعود ثمار التنمية بالنفع على جميع المواطنين دون إقصاء أو تفاوت.
إن التحدي اليوم ليس في حجم الاستثمارات العمومية بحد ذاته، بل في قدرتها على خلق قيمة مضافة حقيقية وموزعة عادلة، قادرة على كسر حلقة التفاوتات الجهوية وتحقيق التنمية الشاملة التي وعدت بها الجهوية المتقدمة.






