وزارة الداخلية تُفعّل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”: إعفاءات وتأديب في صفوف رجال السلطة لمواجهة الاختلالات المتفاقمة

أقدمت وزارة الداخلية المغربية في الآونة الأخيرة على سلسلة قرارات تأديبية غير مسبوقة، تم بموجبها إعفاء عدد من رجال السلطة (قادة و”باشاوات”) و أعوان سلطة من مناصبهم، على خلفية تورطهم في اختلالات إدارية وتعثر في أداء مهام منصبهم، وسط مطالب متزايدة من المجتمع المدني بضرورة محاسبة المسؤولين الذين يساهمون بتقاعسهم في تفاقم مشاكل عمرانية واجتماعية تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين.
هذه القرارات، التي طالت مجموعة من المسؤولين الترابيين في أقاليم وجهات مختلفة، تندرج ضمن استراتيجية متقدمة لوزارة الداخلية الرامية إلى تحريك مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” في حق كل من يثبت تقصيره في المهام المسندة إليه، أو تساهله مع مخالفات عدة، من أبرزها:
تفشي ظاهرة البناء العشوائي
فرضت ظاهرة البناء غير القانوني نفسها كواحد من أكبر التحديات التي تواجه الإدارة الترابية، خصوصاً في المدن والمجالات القروية التي تشهد توسعاً عمرانياً غير مطابق للقوانين التنظيمية، وصمتاً من بعض المسؤولين المحليين الذين لم يتحركوا بفعالية لوقف التجاوزات. وقد كانت هذه الظاهرة أحد أبرز الأسباب التي دفعت وزارة الداخلية إلى اتخاذ إجراءات تأديبية حاسمة، بعد أن أدى تراخي بعض رجال السلطة إلى بروز جدران وأسوار ودور غير مرخّصة في مواقع متعددة، ما شكل هاجساً لدى الساكنة وأربك المخططات التنموية.
تساهل مع أخطار حقيقية ترتبط بالتسييق والرخص
ولم يقتصر التدخل الوزاري على ملف البناء العشوائي فقط، بل شمل أيضاً التقصير في مراقبة تطبيق القوانين المتعلقة بالتسييق ومنح التراخيص، مما أدى إلى تساهل غير مبرر مع مخالفات عمرانية تجمع بين الإهمال الإداري والتفريط في تطبيق النصوص القانونية.
الباعة الجائلون واحتلال الملك العمومي
بلغت مشكلات تدبير الملك العمومي ذروتها في عدد من المناطق، حيث لوحظ تساهل بعض مسؤولي السلطة مع أنشطة البيع العشوائي واحتلال الباعة الجائلين للفضاءات العامة دون تنظيم ولا احترام للاشتراطات المعمول بها. هذا التساهل لم يؤثر فقط على النظام العام، بل أدى أيضاً إلى اختلالات في السلامة الصحية والاقتصادية، في وقت كان من المفترض أن يتدخل المسؤول المكلف لضمان احترام التوازن بين الحق في العمل والنظام المدني.
التقصير في الخدمات الإدارية
كذلك تعالت أصوات المجتمع المدني لتسليط الضوء على حالات تقصير في أداء الخدمات الأساسية للمواطنين، سواء في مجالات البنيات التحتية أو الاستجابة لشكايات السكان، مما عزز الضغط الشعبي على الوزارة لاتخاذ مبادرات تصحيحية.
مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” يُطبق على أرض الواقع
جاءت هذه الإعفاءات والتدابير التأديبية استجابة لوصايا عليا في الإدارة العمومية، تدعو إلى تعزيز الحكامة الجيدة وفرض احترام القانون على الجميع دون استثناء، وإلى التأكيد على أن المسؤول مهما كان مركزه الإداري يبقى خاضعاً للمساءلة حين يتخلى عن واجباته.
وتعكس تحركات وزارة الداخلية ما يلي:
تفعيل النزاهة في الإدارة الترابية
بات واضحاً أن الوزارة أكثر حرصاً من أي وقت مضى على حماية القانون من الانزلاق أمام الاعتبارات المحلية أو المصالح الخاصة، وأنها تعتبر كل إخلال تنظيمي أو تقصير إداري خرقاً صريحاً لواجبات رجل السلطة.
إعادة بناء الثقة بين المواطن والإدارة
وسط موجة انتقادات متكررة تجاه الإدارة المحلية، تسعى الوزارة من خلال هذه القرارات إلى إعادة ثقة المواطنين في المؤسسات، من خلال إظهار أن هناك رقابة فعلية وأن كل مسؤول محاسب عن أخطائه.
إشعار رجال السلطة بضرورة اليقظة والمسؤولية
هذه الخطوة الوزارية تحمل رسالة قوية إلى كل من يتولى مهام سلطة إدارية: أن دوره ليس شكلياً، وأن الرفع من مستوى الأداء ومواجهة الاختلالات أولى من أي اعتبار آخر.
ردود فعل مدنية ومجتمعية
رصدت فعاليات حقوقية ومدنية هذه القرارات بارتياح مشوب بالحذر، معتبرة أن خطوة محاسبة رجال السلطة تشكل إشارة إيجابية نحو مزيد من الشفافية والمساءلة. لكنها في الوقت نفسه شددت على ضرورة إعطاء نفس الزخم لملفات أخرى مماثلة، وعدم الاقتصار على بعض الحالات المعزولة، بل تشجيع ثقافة المسؤولية في كل الأجهزة الإدارية.
يمكن القول إن القرارات الأخيرة لوزارة الداخلية في عهد الوزير عبدالوافي لفتيت تمثل بداية لمرحلة جديدة في إدارة الشأن المحلي، حيث لم تعد الإدارة الترابية بمنأى عن المتابعة أو التقويم، بل أصبحت محط رقابة صارمة داخل الجهاز الحكومي ذاته. والأهم من ذلك أن هذه التحركات تهدف إلى:
استعادة الحضور القانوني للإدارة
وقف أي ابتزاز تنظيمي أو تساهل مع المخالفات
إعادة توجيه الأداء العام لرجل السلطة نحو القرب من المواطن وتطبيق القانون دون تردد
وفي ظل هذه التحولات، يصبح مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد شعار، بل واقعاً يُطبّق على الأرض، ما يقدم رسالة منهجية مفادها أن الإدارة العمومية بعناصرها المختلفة مطالبة بالعمل بجد وإخلاص، وأن الزمن الذي كانت تسود فيه التساهلات قد ولى، وأن المرحلة الراهنة تتطلب جدية، شفافية، والتزاماً قانونياً حقيقياً.






