سياسة

ملف الأحد صحة المغاربة بين مطرقة الأزمات وسندان الغياب: الوزير التهراوي في قلب العاصفة

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

لم يعد النقاش في المغرب اليوم يتجاوز أزمة الصحة. في المقاهي والجامعات، في الأحياء الشعبية كما في القرى النائية، وفي كل بيت تقريباً، صار سؤال “أين العلاج؟” هو الهم الجماعي للمغاربة. هذا النقاش لم يعد حكراً على النخب أو النقابات أو الجمعيات الحقوقية، بل صار حديث الشارع، بعدما تحولت المستشفيات إلى فضاءات للمعاناة، وانفجرت الاحتجاجات في أكادير ومدن أخرى، مهددة بجر المملكة إلى موجة غضب غير مسبوقة.

لكن بدل أن تسعى الحكومة إلى معالجة جوهر الداء، اختارت أن تدير الملف بمنطق سياسي ضيق، محولة صحة المغاربة إلى ورقة انتخابية. والنتيجة أن البلاد وجدت نفسها أمام انهيار الثقة في النظام الصحي، واتهامات مباشرة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزيره في الصحة أمين التهراوي بأنهما السبب في إيصال الشارع إلى حافة الانفجار.

من إصلاحات آيت طالب إلى حسابات أخنوش

في الوقت الذي بدأت فيه بعض بوادر الإصلاح تظهر خلال فترة الوزير السابق خالد آيت طالب، الذي نجح على مدى خمس سنوات في وضع أسس إصلاحات عميقة، فوجئ الرأي العام بقرار إعفائه. لم يكن السبب ضعف الحصيلة، بل العكس: أغلب المهنيين والمتابعين أجمعوا أن حصيلته كانت ناجحة ومبشرة. لكن “جريمة” آيت طالب الوحيدة أنه لم يكن ينتمي لأي حزب سياسي و لا يعرف معنى “التزلف”، ما جعله غير مرغوب فيه مع اقتراب الانتخابات.

هكذا تدخلت الحسابات السياسية لرئيس الحكومة، الذي قرر التخلص من وزير تكنوقراطي ناجح، فقط لأنه لا يخدم مصالح حزبه. وبدلاً من استثمار حصيلة آيت طالب، جلب أخنوش صديقه من القطاع الخاص أمين التهراوي، الذي كان يشتغل في شركته العائلية “موركو مول” التابعة لزوجته سلوى الإدريسي. فجأة وجد التهراوي نفسه وزيراً للصحة، وهو الإداري القادم من عالم المولات والتسويق، بلا أي خبرة ميدانية أو تكوين طبي.

سنة واحدة كشفت الحقيقة

لم تمر سوى سنة واحدة على تعيين التهراوي حتى تكشفت الصورة. فالمستشفيات غارقة في الفوضى، الأدوية مفقودة، الأطباء يهاجرون، والاحتجاجات تتصاعد. بل إن زيارات الوزير التفقدية تحولت إلى مادة للسخرية، حيث ركز على جدران المستشفيات وأبوابها ومواقف السيارات و أقبية المتلاشيات، متجاهلاً جوهر الأزمة: نقص الأطر، غياب الأدوية، غياب الحكامة، وتردي الخدمات.

كان التهراوي يحاول تقديم نفسه كوزير حازم يعاقب المدراء والمسؤولين، فأعفى بعضهم في مستشفيات أكادير و غيره. لكن الشارع قرأ الرسالة بشكل مختلف: مجرد “أكباش فداء” للتغطية على فشل حكومي أعمق. لأن الأزمة لم تكن في المدير الفلاني أو المسؤول العلاني، بل في بنية صحية متهالكة، وسياسات مرتجلة، وحكومة ترى في صحة الناس مجرد أداة للدعاية.

أزمة الأطر البشرية: نزيف بلا توقف

يُجمع كل المتابعين على أن نقص الأطر الطبية هو العصب الرئيسي للأزمة. المغرب ينتج سنوياً عدداً معتبراً من خريجي كليات الطب والتمريض، لكن معظمهم يختارون الهجرة إلى الخارج أو الاشتغال في القطاع الخاص. لماذا؟ لأن القطاع العام لا يقدم سوى الأجور الهزيلة، وغياب ظروف العمل اللائقة، وانعدام الأفق المهني،و خروج الوزارة لتحميلهم المسؤولية وذهاب بعض المطبلين لأخنوش لإتهامهم بأنهم “لا ضمير مهني لهم”.

النتيجة أن مستشفيات المدن الكبرى مكتظة بالمرضى وقليلة بالأطباء، بينما القرى والمناطق النائية تُترك لمصيرها. هناك قرى بكاملها بلا طبيب واحد. وهذا ما أشعل فتيل الغضب، إذ كيف يعقل أن مواطنين في القرن الحادي والعشرين يقطعون عشرات الكيلومترات بحثاً عن مستوصف لا يجدون فيه حتى ممرضاً واحداً؟

اختلالات جغرافية عميقة

الأرقام صادمة: أكثر من 70% من الكوادر الطبية متمركزة في محور الرباط-الدار البيضاء-مراكش، فيما تبقى باقي الجهات تعيش على الفتات. هذا الخلل الجغرافي أنتج فوارق صارخة بين المغاربة. في المدن الكبرى يمكن أن تجد مصحة خاصة مجهزة، أما في القرى فالحوامل يلدن في سيارات الأجرة، والمرضى يموتون في الطريق نحو المستشفى.

المشكلة ليست فقط في نقص الأطر، بل في غياب الحكامة و سياسة حقيقية لتوزيع الخدمات الصحية بعدالة. وعود الوزير التهراوي لم تتجاوز الشعارات،و الذي حاول الظهور بقبعة المناضل و ليس الوزير وهو يعلن “التضامن” مع عائلات توفيت نسائهم بمستشفى أكادير،او تحريض المدراء الذهاب الى الرباط من اجل لإحتجاج لتحقيق المطالب وهو ما صنف كلامه في بلوميك سياسي فارغ، في حين أن الواقع يزداد قتامة.

البنية التحتية… مبانٍ بلا روح

أغلب المستشفيات الإقليمية والجهوية تعاني من تدهور البنية التحتية ونقص المعدات. أجهزة التشخيص مثل السكانير والرنين المغناطيسي إما معطلة أو غائبة. غرف العمليات غير مجهزة. حتى أبسط الأدوية تختفي. كل هذا يجبر الأطباء على العمل بوسائل بدائية، ويُفقد المرضى الثقة في المنظومة بأكملها.

والمفارقة أن الحكومة تتباهى ببعض المشاريع الكبرى مثل بناء مراكز استشفائية جامعية، لكنها تغض الطرف عن المراكز الصحية الصغيرة و المسشتفيات الإقليمية التي يقصدها المواطن البسيط يومياً. النتيجة: مستشفيات ضخمة على الورق، لكنها فارغة من الأطباء والمعدات.

التأمين الصحي… وعود معلقة

مع إطلاق التأمين الصحي الإجباري (AMO)، تنفس المواطنون الصعداء، لكن سرعان ما اصطدموا بالواقع المرير. فالكثير من الفئات الهشة لم تستفد من التغطية بسبب تعقيد الإجراءات. وحتى من حصل على البطاقة وجد نفسه أمام مصحات ترفض التعامل معها، أو تفرض رسوماً إضافية تثقل كاهل الأسر.

بدل أن يكون التأمين وسيلة لتيسير العلاج، صار في حالات كثيرة مجرد بطاقة بلا قيمة حقيقية. ومع غياب المراقبة الصارمة، استمرت المصحات الخاصة في استنزاف جيوب المرضى.

فساد وحكامة غائبة

التقارير تتحدث عن فساد مستشري في القطاع: صفقات مشبوهة لشراء المعدات الطبية، توظيفات على المقاس، توزيع غير عادل للموارد. صفقات لشركات المناولة في قطاع النظافة و الحراسة و الإستقبال و غيره  لأقرباء الوزراء و البرلمانيين الموالين لحزب التجمع الوطني لأحرار، كل هذا جعل قطاع الصحة مثالاً صارخاً على غياب الحكامة.

وعوض أن يضع الوزير الجديد آليات للشفافية، انشغل بالصور والكاميرات والتصريحات الفضفاضة. فصار الانطباع السائد أن المنظومة الصحية تسير بلا بوصلة، وأن الفساد يجد في ضعف الرقابة بيئة مثالية للتمدد.

احتجاجات أكادير… الشرارة التي هزت الحكومة

يوم خرج المواطنون في أكادير للاحتجاج أمام مستشفى الحسن الثاني، لم يكن ذلك حدثاً عادياً. كانت تلك الشرارة التي كشفت عمق الغليان الشعبي. شعارات المحتجين كانت صريحة: “الصحة حقنا”، “الوزير يمشي”. كانت تلك لحظة فارقة أظهرت أن الناس لم يعودوا يقبلون بالمسكنات.

الخطير أن هذه الاحتجاجات وجدت صدى في مدن أخرى. في الدريوش والريف ومراكش و تاونات و اكادير ، تصاعدت الأصوات المنددة بالوضع. و أن موجة الغضب ستستمر رغم تدخل السلطات لمنع الوقفات،لأن المغاربة سئموا من الوعود الكاذبة و الشعارات المزيفة، و أنه أصبح من الممكن أن  تتحول إلى كرة ثلج تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

من المسؤول؟

المسؤولية السياسية واضحة: رئيس الحكومة عزيز أخنوش الذي جاء بوزير فاقد للكفاءة والخبرة، ووضع على عاتقه قطاعاً حيوياً يهم حياة كل مغربي. والوزير أمين التهراوي الذي أضاع السنة الأولى في المناورات الإدارية و”الشو الإعلامي”، بدلاً من إصلاح ما يمكن إصلاحه.

لقد أوصلت هذه الثنائية البلاد إلى وضع خطير، حيث تلاشت الثقة بين المواطن والدولة في واحد من أكثر القطاعات حساسية. ولم يعد الحديث مقتصراً على الاختلالات التقنية، بل صار مرتبطاً بشرعية الحكومة نفسها وقدرتها على تسيير شؤون المواطنين.

ماذا بعد؟

الملف الصحي في المغرب اليوم أشبه ببرميل بارود. أي خطأ إضافي، أي استهتار بمعاناة الناس، يمكن أن يفجر موجة غضب لا أحد يضمن السيطرة عليها. والمطلوب ليس مزيداً من الخطابات أو الإعفاءات الشكلية، بل إصلاحات جذرية تبدأ من:

  • إعادة الاعتبار للأطر الطبية عبر أجور وتحفيزات محترمة و عدم تحميلهم المسؤولية الكاملة.

  • توزيع عادل للخدمات يضمن للمواطن في الجبال ما يضمنه لنظيره في عواصم الجهات،و الإعتناء و تأهيل المستشفيات الإقليمية و الجهوية التي لا توجد بمدنا مستشفيات جامعية.و التعجيل بفتح المستشفيات الجامعية المتبقية لتغطية جميع الجهات.

  • تجهيز حقيقي للبنية التحتية لا الاكتفاء بطلاء الجدران.

  • رقمنة المنظومة الصحية لتسهيل تتبع الملفات الطبية و ضخ كوادر طبية و تمريضية جديدة و أدوات بيوطبية للقطع مع المواعيد البعيدة،لأن المريض يرد العلاج يوم مرضه و غير قابل للتأجيل.

  • مكافحة الفساد عبر آليات صارمة للشفافية.

بدون ذلك، سيبقى قطاع الصحة قنبلة موقوتة تهدد بتقويض كل مشاريع التنمية التي تتغنى بها الحكومة.

لقد أثبتت تجربة السنة الماضية أن تعيين وزير صحة من خارج الميدان، فقط لأنه قريب من رئيس الحكومة، كان خطأً فادحاً. وأن الحسابات الانتخابية التي أطاحت بوزير ناجح مثل آيت طالب لم تجلب سوى الكوارث.

اليوم، حين يهتف الشارع في أكادير ومدن أخرى، فليس لأنه يريد فقط دواءً أو طبيباً، بل لأنه يرى أن حياته وكرامته تُداس في مستشفيات بلا أطباء ولا تجهيزات. وهذه مسؤولية مباشرة يتحملها أخنوش والتهراوي.

إنها ليست مجرد أزمة قطاعية، بل أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع. وإذا لم يُتدارك الوضع سريعاً، فإن الغليان الشعبي قد يتحول إلى زلزال اجتماعي يهز المملكة من عمقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى