سياسة

مفتشو وزارة الداخلية يتأهبون لاقتلاع أعشاش الفساد من جماعات فاس-مكناس: طرق مغشوشة وجمعيات وهمية و حرائق العمال العرضيين ..

بدأت وزارة الداخلية واحدة من أضخم عمليات التفتيش الإدارية التي تستهدف الجماعات الترابية، من بوابة جهة فاس-مكناس، في خطوة وُصفت بأنها انتفاضة إدارية حقيقية ضد مستنقع الفساد المحلي الذي تراكم لسنوات.
وقد فجّرت تقارير أولية صادرة عن المفتشية العامة قنابل من العيار الثقيل، كشفت عن اختلالات مالية وتدبيرية عميقة تضرب في عمق منظومة الجماعات الترابية، بل وتعري شبكة معقدة من العلاقات الزبونية بين المنتخبين وجمعيات مدنية مشبوهة.

جمعيات انتخابية بغطاء مدني!
تشير المعطيات إلى أن عدداً من الجمعيات التي استفادت من دعم عمومي سخي ليست سوى واجهات انتخابية مقنعة، استُعملت للتمويه على صرف المال العام في حملات سابقة لأوانها، عبر تنظيم “أنشطة” ظاهرها مدني وباطنها سياسي وانتخابي بامتياز.
الفضيحة لا تتوقف هنا، بل وصلت إلى حد توظيف أقارب منتخبين ومسؤولين داخل هذه الجمعيات بأجور مبالغ فيها، دون كفاءة أو مهام واضحة، في تجاوز صارخ لكل قواعد النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

مشاريع على الورق فقط!
وتحدثت مصادر مطلعة عن مشاريع “شبح” لا وجود لها على أرض الواقع رغم ضخ ملايين الدراهم لإنجازها، خصوصاً ما تعلق بالورشات الموجهة للنساء القرويات التي تبين أنها لم تُنظم قط، بل كانت مجرد وسيلة لسحب أموال من الخزينة الجماعية دون أثر فعلي أو تقارير واقعية.
كما تم رصد اعتماد ممنهج لفواتير وهمية، ومقاولات صورية تُستعمل فقط لتبرير نفقات مزعومة، دون خدمات مقابلة تُذكر.

العمال العرضيون.. أكبر ثقب في ميزانيات الجماعات
من أبرز النقاط التي يجب الوقوف عندها بجدية، هي فوضى توظيف العمال العرضيين داخل عدد من الجماعات، الذين يُستغلون لتغذية ولاءات انتخابية ضيقة على حساب المال العام.
وقد تحولت هذه الفئة إلى عبء مالي كبير، دون مهام واضحة، ودون مراقبة لنجاعة أدائهم أو قانونية توظيفهم، بل إن بعضهم يُستخدم كأدوات ضغط سياسي أو انتخابي من طرف رؤساء الجماعات، في غياب تام للمساطر القانونية المنظمة.

طرقات تنهار بعد شهرين.. و”الغش” واضح للعيان
من جهة أخرى، كشفت مصادر مطلعة أن من بين الملفات الساخنة التي تحقق فيها المفتشية مشاريع تأهيل البنية الطرقية في العالم القروي، حيث ظهرت على عدد من الطرقات المعبدة حديثاً عيوب خطيرة بعد أقل من شهرين على انتهاء الأشغال.
هذه الطرق التي رُوّج لها باعتبارها مشاريع لفك العزلة، تحوّلت إلى رموز للفشل والغش الفاضح، مع تواتر شهادات من الساكنة حول هشاشة البنية التحتية ورداءة الأشغال المنجزة، ما يطرح علامات استفهام حول معايير الصفقات وظروف إسنادها، وهوية الشركات المستفيدة.

جماعة عزابة نموذجًا: مشاريع متوقفة ومصير غامض للميزانية
ضمن الجماعات التي يُتوقع أن تكون تحت مجهر المفتشين، تبرز جماعة عزابة كنموذج صارخ للفوضى وسوء التدبير، حيث توقفت مجموعة من المشاريع الطرقية بشكل مفاجئ، وذهبت وعود فك العزلة إلى المجهول.
لا أشغال، ولا مكاتب تقنية تُشرف، ولا تقارير دورية، في وقت تتسرب فيه معطيات عن اختلالات في مسار صرف الميزانيات، دون مساءلة أو توضيح للرأي العام المحلي.

ملف “طلبات العروض”.. مستنقع آخر وجب تطهيره
التحقيقات توسعت لتشمل كذلك ملفات طلبات العروض، التي تحوّلت في بعض الجماعات إلى واجهة شكلية فقط، حيث تفوز بها شركات محددة في كل مرة، دون منافسة حقيقية، وسط مؤشرات قوية على وجود تلاعبات أو “تفاهمات” مسبقة، وهو ما يشكل خرقاً خطيراً لقانون الصفقات العمومية ويُهدد مبدأ تكافؤ الفرص.

الدولة تبدأ الحرب.. فهل تسقط رؤوس؟

الكرة الآن في ملعب وزارة الداخلية، التي أطلقت شرارة المعركة الأولى ضد فساد الجماعات الترابية، وبدأت أكبر حملة تفتيش شاملة بنَفَس غير مسبوق، يُنذر بأن ما بعد هذه الحملة لن يكون كما قبلها. لم تعد الدولة مستعدة لغضّ الطرف عن منظومة نخرها العبث وسوء التدبير، ولا عن المنتخبين الذين اختزلوا الشأن المحلي في شبكات ولاء ومصالح شخصية مغلّفة بخطاب التنمية.

التفتيش اليوم لا يستهدف فقط أوراقًا وأرقامًا، بل يستهدف عقلية فاسدة عمرها سنوات، نسجت خيوطها في الظل وتفننت في التلاعب بالموازنات والصفقات، وتحويل المال العام إلى ريع سياسي وانتخابي تحت أنظار الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى