سياسة

“مؤسسة المغرب 2030”.. رهان ملكي لتحويل الزخم الرياضي إلى انطلاقة تنموية تاريخية

في خطوة استراتيجية تجسد الإرادة الملكية في تحويل التحديات الكبرى إلى فرص تنموية، صادق مجلس الحكومة، اليوم الخميس، على مشروع قانون رقم 35.25 القاضي بإحداث “مؤسسة المغرب 2030″، لتكون الآلية الوطنية المعتمدة لتأمين جاهزية المملكة لاحتضان كبريات التظاهرات الرياضية الدولية، وعلى رأسها كأس العالم لكرة القدم 2030، الذي ينظمه المغرب بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وكذا كأس إفريقيا للأمم 2025.

هذه المؤسسة الجديدة، التي تأتي تنفيذًا للتوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الصادرة خلال المجلس الوزاري ليوم 4 دجنبر 2024، تمثل نقلة نوعية في تدبير المرحلة التحضيرية لهذا الحدث الكوني، وتؤسس لرؤية وطنية شاملة تتجاوز حدود الملاعب والمدن المستضيفة، إلى استثمار رياضي-تنموي متعدد الأبعاد.

مؤسسة بمهمة استراتيجية.. ومقاربة شمولية

ستُناط بـ”مؤسسة المغرب 2030″ أدوار محورية في الإعداد والتنسيق والتنفيذ، من أبرزها:

  • تنفيذ التزامات المملكة وفق دفاتر التحملات الدولية الخاصة بتنظيم كأس العالم ومختلف التظاهرات القارية والدولية.

  • مواكبة وتدبير أوراش البنيات التحتية، والنقل، والسياحة، والخدمات على مستوى وطني، وليس فقط في المدن التي ستستضيف المباريات.

  • اعتماد مقاربة شراكة موسعة تشمل مختلف الفاعلين: الإدارات العمومية، المقاولات والمؤسسات العمومية، الجماعات الترابية، المجتمع المدني، القطاع الخاص، ومغاربة العالم.

  • تحويل الرياضة إلى رافعة للاندماج الاجتماعي والتنمية المستدامة، خاصة لفائدة الشباب.

هذه الأدوار لا تقتصر على التنظيم التقني واللوجستي للتظاهرات الرياضية، بل تفتح الباب أمام استثمار عميق في البنيات المجالية، والعدالة الترابية، وتقوية صورة المغرب في الخارج، انسجاماً مع الرؤية الملكية لجعل الرياضة عاملاً مهيكلاً للتنمية.

من حدث رياضي إلى مشروع وطني متكامل

لا شك أن تنظيم كأس العالم 2030 يُعد حدثاً تاريخياً بكل المقاييس، لكن ما يضفي عليه خصوصية أكبر في السياق المغربي هو المنظور الاستراتيجي الذي يتعامل به جلالة الملك مع هذا الموعد العالمي، بوصفه مناسبة وطنية لتسريع وتيرة التنمية، وإعادة هيكلة التراب الوطني وفق مقاربات أكثر تكاملاً وتوازنًا.

فإحداث مؤسسة خاصة بهذه المهمة، بمرجعية قانونية ومهام واضحة، يؤشر إلى تحول في طريقة تدبير الدولة للتظاهرات الكبرى، من منطق الظرفية إلى منطق الاستدامة. وهو ما يعكس رغبة الدولة في تجنب التراكمات السلبية التي شهدتها بعض البلدان المنظمة سابقاً، والتي اكتفت بالبُعد الرياضي دون أن تجعل منه نقطة انطلاق لمسار شامل.

إشعاع دولي ونموذج تنموي ميداني

إلى جانب البُعد الرياضي والديبلوماسي، يُمثل تنظيم كأس العالم فرصة تاريخية للمغرب من أجل تسويق نموذجه التنموي والاقتصادي والاجتماعي، وتثبيت موقعه كوجهة آمنة وقادرة على احتضان أكبر التظاهرات الدولية. فالملاعب ستكون فقط جزءاً من الصورة، بينما ستشمل باقي الأبعاد مجالات استراتيجية: من الطرقات والمطارات، إلى الخدمات اللوجستية، مروراً بالتنمية القروية، والسياحة، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال.

وتسعى المؤسسة كذلك إلى إرساء مشاركة مجتمعية موسعة، تجعل من عموم المواطنات والمواطنين شركاء في إنجاح هذا الموعد التاريخي، خصوصاً عبر انخراط فاعل لمغاربة العالم، والطاقات الشابة، والأسرة الرياضية الوطنية، فضلاً عن الكفاءات الإفريقية، بما يعكس البُعد القاري لحضور المغرب في هذا الحدث.

نحو مغرب ما بعد 2030

إن “مؤسسة المغرب 2030” ليست فقط آلية تنظيمية لكأس العالم، بل هي تعبير صريح عن رؤية ملكية استراتيجية تجعل من الرياضة قاطرة للتنمية والنهوض المجتمعي، في انسجام تام مع النموذج التنموي الجديد، ومع الانتظارات المشروعة للمواطنين في مختلف الجهات.

وبقدر ما يعكس هذا المشروع طموحاً وطنياً مشروعاً في النجاح التنظيمي، فإنه يُكرّس أيضاً وعياً رسمياً بأن كأس العالم ليس غاية في حد ذاته، بل محطة ضمن مسار طويل لبناء مغرب متقدم، متوازن، ومندمج في محيطه الإفريقي والدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى