قرار قضائي مدوٍ يطيح برئيس جماعة تازة ويهدد مقعده النيابي: رياح التغيير تهب على ‘البام’ بفاس مكناس؟

هزت أروقة المحكمة الابتدائية الإدارية بفاس قرار قضائي حاسم، حيث قضت “شعبة قضاء الإلغاء والتعويض” بعزل عبد الواحد المسعودي، رئيس مجلس جماعة تازة والقيادي البارز في حزب الأصالة والمعاصرة والنائب البرلماني عن الإقليم. جاء هذا الحكم القطعي، الذي صدر سابقا بعد ثلاث جلسات من التداول العميق في ملف شائك، ليضع نهاية مبكرة لرئاسته الجماعية ويهدد بقوة استمراريته في قبة البرلمان.
رياح التغيير تهب على “البام” بفاس مكناس: صراعات داخلية تنذر بمستقبل قاتم
يأتي هذا الحكم في سياق تشهده جهة فاس مكناس من تحولات سياسية دقيقة، حيث يواجه حزب الأصالة والمعاصرة تحديات داخلية متصاعدة تنذر بتراجع نفوذه في المنطقة. تشير التقارير الواردة من داخل الحزب إلى احتدام الصراعات بين مختلف المكاتب المحلية، وهو ما انعكس سلبًا على الأداء التنظيمي وقدرة الحزب على حشد الأنصار. هذه الخلافات العميقة تنذر بتراجع مهول لـ “البام” في الاستحقاقات الانتخابية القادمة، وتشير التوقعات إلى تلقيه خسائر مدوية في العديد من الدوائر التشريعية بالجهة. ويبدو أن الانقسامات الداخلية وعدم وضوح الرؤية المستقبلية للحزب على المستوى المحلي قد بدأت تؤتي أُكلها، مما يفتح الباب واسعًا أمام منافسيه لتعزيز مواقعهم واستقطاب القاعدة الانتخابية التي كانت محسوبة تقليديًا على “البام”.
وقد اتخذت المحكمة قرارها بالتنفيذ المعجل للحكم رقم 2146، ليؤكد بذلك على جدية الاختلالات وشبهات الفساد التي وردت في تقرير المفتشية العامة للإدارة الترابية، والتي على إثرها أصدر عامل الإقليم قرارًا بتوقيف المسعودي في نهاية شتنبر 2024. استند الحكم القضائي في حيثياته إلى الملاحظات والتجاوزات القانونية والتنظيمية التي رصدتها لجنة المفتشية العامة للإدارة الترابية (IGAT)، مستندًا في ذلك على المادة 64 من القانون التنظيمي رقم 14-113 المتعلق بالجماعات.
من التوقيف إلى العزل: مسار قضائي حاسم يطيح برئيس جماعة تازة
لم يكن قرار المحكمة مفاجئًا للمتابعين للشأن المحلي بتازة، فقد سبقته خطوات تصعيدية بدأت بتوقيف المسعودي من مهامه من قبل سلطة الوصاية، وإحالة ملفه الثقيل على القضاء الإداري. وتعود جذور هذه القضية إلى شبهات قوية تتعلق باختلالات شابت صفقات الأشغال العمومية وتفويت سندات طلب لشركات بعينها، مما أثار علامات استفهام حول وجود تضارب محتمل للمصالح. وقد تعمقت التحقيقات لاحقًا بتدخل الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بفاس، التي وسعت نطاق بحثها ليشمل شبهات بوجود اختلالات قانونية جسيمة في تسيير شؤون الجماعة وصفقاتها العمومية خلال السنوات الثلاث الماضية.
الأكثر إثارة للجدل، وبعد الاطلاع على تفاصيل الحكم عبر منصة “محاكم” التابعة لوزارة العدل، هو عدم تسجيل أي طعن بالاستئناف في الحكم حتى الآن، وذلك بالرغم من انقضاء المهلة القانونية المحددة في شهر واحد لتقديم هذا الطعن. هذا السكوت القانوني يجعل الحكم نهائيًا وباتًا، ويكتسب قوة الشيء المقضي به، مما يفتح الباب واسعًا أمام إجراءات قانونية أخرى قد تجرده من عضويته في مجلس النواب.
تداعيات الحكم على مقعده البرلماني: سيناريوهات قانونية معلقة
يثير هذا الحكم النهائي تساؤلات جوهرية حول مصير مقعد المسعودي في البرلمان. فالمادة الحادي عشر من القانون التنظيمي 27-11 المتعلق بمجلس النواب تنص بوضوح على تجريد النائب من صفته بحكم القانون في حال ثبوت عدم أهليته للانتخاب بعد إعلان النتائج أو إذا وجد خلال مدة انتدابه في إحدى حالات عدم الأهلية المنصوص عليها في القانون. وفي هذه الحالة، يقع على عاتق المحكمة الدستورية مسؤولية تثبيت التجريد من هذه الصفة بطلب من مكتب مجلس النواب، أو وزير العدل، أو النيابة العامة، أو حتى من كل ذي مصلحة.
وبالنظر إلى المادة الواحدة والتسعين من القانون التنظيمي ذاته، فإنه في حال قررت المحكمة الدستورية تجريد عضو من عضويته بسبب فقدانه للأهلية الانتخابية، يتم اللجوء إلى تنظيم انتخابات جزئية لشغل المقعد الشاغر.
ويرى خبراء في القانون الدستوري أن رئيس مجلس النواب بات اليوم أمام مسؤولية قانونية ملزمة بمراسلة المحكمة الدستورية لعرض ملف المسعودي عليها للبت فيه، وهو سيناريو سبق وأن تكرر مع النائب الاتحادي البوصيري الذي لم يستأنف حكم عزله، ليتم تجريده لاحقًا من عضويته البرلمانية والدعوة لانتخابات جزئية.
يبقى السؤال معلقًا حول الخطوات التي سيتخذها البرلمان والمحكمة الدستورية في هذا الملف الحساس. لكن المؤكد أن الحكم بعزل عبد الواحد المسعودي من رئاسة جماعة تازة يأتي في ظل تحديات داخلية كبيرة يواجهها حزب الأصالة والمعاصرة بجهة فاس مكناس، مما قد يعمق من أزمته ويزيد من احتمالية تراجعه في المشهد السياسي القادم.






