سياسة

فاس بين إرث التراكمات ورهان الإقلاع الجديد.. كيف يقود الوالي خالد أيت طالب نهضة تنموية هادئة في العاصمة العلمية؟

تعيش مدينة فاس منذ أشهر على وقع تحولات تنموية متسارعة، أعادت إلى الواجهة النقاش حول مستقبل العاصمة العلمية للمملكة، وحول قدرة الإدارة الترابية الجديدة على إخراج المدينة من حالة الجمود والتردد التي طبعت عدداً من الأوراش لسنوات طويلة. فمنذ تعيين والي جهة فاس ـ مكناس خالد آيت طالب على رأس الولاية، بدأت معالم مقاربة جديدة تتشكل داخل المدينة، عنوانها النزول إلى الميدان، وتسريع الأوراش، وربط المسؤولية بالفعل الملموس لا بالشعارات.

فاس، المدينة التي تحمل إرثاً حضارياً ودينياً وثقافياً كبيراً، لم تكن في حاجة فقط إلى مشاريع إسمنتية، بل كانت تحتاج إلى مسؤول ترابي يدرك خصوصية المدينة وتعقيداتها، ويفهم نبض أحيائها وأسواقها وشوارعها، ويملك في الوقت نفسه تجربة في التدبير العمومي والقدرة على تنزيل التوجيهات الملكية السامية على أرض الواقع. وهو ما يحاول الوالي خالد آيت طالب ترجمته منذ قدومه إلى العاصمة العلمية، في سياق محلي معقد، يتسم بتراكمات في التسيير، وبمجلس جماعي يعيش على وقع تصدعات واختلالات سياسية أثرت بشكل مباشر على نسق التنمية المحلية.

لكن، وعلى الرغم من هذا الواقع، لم يتخذ والي الجهة موقف المتفرج، بل اختار منذ الأيام الأولى أن يفتح الأوراش الكبرى، وأن يشتغل وفق منطق الدولة واستمرارية المرفق العمومي، واضعاً الثقة الملكية فوق كل الاعتبارات، ومستحضراً أن خدمة الساكنة والاستقرار الاجتماعي لا يمكن أن يتحققا إلا عبر مشاريع حقيقية تلامس الحياة اليومية للمواطنين.

واليوم، بدأت فاس تستعيد شيئاً من بريقها، من خلال شبكة واسعة من المشاريع التي تم إطلاقها أو تسريعها، سواء في البنيات التحتية، أو الفضاءات العمومية، أو المرافق الرياضية والثقافية، أو حتى في إعادة الاعتبار للمعالم التاريخية والأسواق العريقة.

ومن بين أبرز الأوراش الاستراتيجية التي تعكس هذا التحول، يبرز مشروع تثنية الطريق الجهوية 5006 الرابطة بين طريق مكناس الوطنية، عبر مدارات الجامعة الأورومتوسطية، وصولاً إلى طريق إيموزار، وهو محور طرقي حيوي ظل لسنوات نقطة اختناق مروري كبرى. اليوم، تتواصل الأشغال بوتيرة متسارعة، وسط انتظار واسع لأن يشكل هذا المشروع متنفساً حقيقياً لحركية المدينة، خاصة مع التوسع العمراني الذي تعرفه المناطق المحيطة به.

وفي هذا الورش كما في غيره، برز اسم شركة فاس الجهة للتهيئة باعتبارها الذراع التنفيذي الذي يقود عدداً من المشاريع الكبرى داخل المدينة. فهذه الشركة الجهوية لم تعد مجرد إطار تقني، بل تحولت إلى آلية تنفيذية أساسية لتسريع التنمية، عبر تنزيل مشاريع مهيكلة وفق رؤية هندسية حديثة. واليوم، تلعب شركة فاس الجهة للتهيئة دوراً محورياً في إعادة رسم ملامح العاصمة العلمية، سواء في الطرق أو الساحات أو الفضاءات العمومية أو البنيات الرياضية.

ومن المشاريع التي تعكس هذا التوجه أيضاً، إعادة هيكلة شارع المرينيين، أحد أهم المحاور التاريخية بفاس، والذي يشهد اليوم عملية تأهيل واسعة تهدف إلى خلق متنفس حضري متكامل، يضم مرافق حديثة ومساحات منظمة تعيد للمنطقة جاذبيتها. ويُنتظر أن يتم الانتهاء من الشطر الأول قرب ثانوية القرويين، مع إعادة تهيئة الساحة المحاذية بشكل شامل، في مشروع يحمل أبعاداً جمالية وسياحية وتنموية في الآن ذاته.

ولم تتوقف المقاربة الجديدة عند حدود الطرق والمحاور الكبرى، بل امتدت إلى فضاءات ظلت لعقود شاهدة على التهميش والإهمال، من بينها السوق المركزي الشهير بشارع محمد الخامس، المعروف لدى الفاسيين باسم “مارشي سنطرال”. فهذا السوق ليس مجرد فضاء تجاري، بل جزء من الذاكرة الجماعية لفاس الجديد، وفضاء تاريخي يعكس تعايش الحضارات والديانات التي مرت من المدينة. واليوم، يعمل والي الجهة بمعية شركة فاس الجهة للتهيئة على إعادة الاعتبار لهذا المعلم التاريخي، عبر مشروع تأهيل شامل يعيد إليه مكانته الاقتصادية والتراثية.

كما امتدت الدينامية الجديدة إلى حديقة للا أمينة، المعروفة شعبياً بحديقة “الريكس”، الواقعة وسط المدينة، والتي تشكل متنفساً أساسياً للساكنة المحلية. هذه الحديقة التي عانت طويلاً من الإهمال، يجري اليوم إعداد تصور حضري جديد لتأهيلها، بإشراف مباشر من شركة فاس الجهة للتهيئة، بما يضمن تحويلها إلى فضاء عصري يليق بموقعها ورمزيتها داخل فاس.

وفي ملف ظل لسنوات يثير الجدل والانتقادات، والمتعلق بالمجزرة البلدية، دخل والي الجهة على الخط بشكل مباشر بعد تصاعد غضب الساكنة والمهنيين من وضعيتها المتدهورة. فبعدما تحول الملف إلى عنوان لفشل التدبير الجماعي، انطلقت عملية التأهيل الشامل للمجزرة، التي باتت اليوم على مشارف الافتتاح، في خطوة ينتظر أن تضع حداً لواحد من أكثر الملفات حساسية داخل المدينة.

القطاع الرياضي بدوره لم يكن بعيداً عن هذه الدينامية. فقاعة 11 يناير، التي كانت تعيش وضعية مهترئة رغم احتضانها لمباريات فريق المغرب الفاسي لكرة السلة وفرق أخرى، أصبحت اليوم في قلب مشروع إعادة تأهيل واسع، يقوده والي الجهة ميدانياً من خلال زيارات متكررة ومتابعة مباشرة للأشغال. المشروع يشمل توسيع الطاقة الاستيعابية، وإضافة مرافق جديدة، واعتماد تصميم هندسي حديث يليق بالجمهور الفاسي العاشق للرياضة، فيما تتولى شركة فاس الجهة للتهيئة تنزيل الأشغال بوتيرة متسارعة.

وتبرز هنا فلسفة مختلفة في التدبير؛ فلسفة تقوم على الإنصات للساكنة، والنزول إلى الأحياء الشعبية، وعدم الاكتفاء بالمكاتب والتقارير. فحين يتعلق الأمر بملعب “الحافة” أو “الشعبة” بحي بن دباب الشعبي، لم ينظر الوالي إلى المشروع باعتباره مجرد ملعب قرب، بل باعتباره فضاء اجتماعياً وشبابياً يعيد الاعتبار لأحياء طالها التهميش. واليوم، تتواصل أشغال بناء الملعب وفق تصور جديد، يمنح شباب المنطقة فضاءً لائقاً لممارسة كرة القدم بعيداً عن التراب والعشوائية، خاصة وأن هذا الحي معروف باحتضانه للدوريات الرمضانية الشعبية التي تستقطب أعداداً كبيرة من الشباب.

كما لم يغض الوالي الطرف عن وضعية حافة مولاي إدريس، التي كانت تعرف تراكماً كبيراً للنفايات ومشاهد غير لائقة بصورة المدينة، حيث انطلقت بدورها عمليات للتأهيل والتنظيف وإعادة التنظيم، في محاولة لاستعادة جمالية هذا الفضاء الحيوي.

أما على مستوى البنيات الطرقية، فتشهد المدينة أيضاً انطلاق أشغال تثنية الطريق الرابطة بين مدارة الكتاب ومدارة مرجان 2، مروراً فوق السكك الحديدية، مع تشييد قنطرة جديدة وتوسعة المحور الطرقي، في مشروع طال انتظاره بسبب ما كانت تعرفه المنطقة من اختناق مروري وحوادث متكررة.

ولا يمكن قراءة هذه الدينامية بعيداً عن الخلفية المهنية والتجربة التي راكمها خالد آيت طالب قبل التحاقه بالإدارة الترابية. فالرجل الذي شغل منصب وزير الصحة، وكان من الوجوه البارزة في تدبير جائحة كوفيد-19 وفق التوجيهات الملكية السامية، راكم خبرة كبيرة في التدبير الميداني وإدارة الأزمات. كما أن تجربته السابقة كمدير عام للمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس، منحته معرفة دقيقة بخبايا المدينة وانتظارات ساكنتها.

وفي الأفق القريب، تبدو فاس مقبلة على مرحلة أكثر أهمية، خاصة في ظل الدينامية الوطنية المرتبطة بالتحضير لتنظيم كأس العالم 2030، الذي سيقام بالمغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال. ورغم أن المدن المستضيفة الرئيسية حُددت، فإن فاس مطالبة اليوم بالاستعداد والتموقع ضمن المدن المغربية الكبرى المواكبة لهذا الحدث العالمي، إلى جانب المدن الخمس الأخرى، عبر تسريع وتيرة التأهيل الحضري وتطوير البنيات التحتية الرياضية والسياحية والطرقية والثقافية. فالعاصمة العلمية تمتلك مؤهلات تاريخية وحضارية وسياحية تجعلها قادرة على لعب دور محوري خلال هذا الموعد الكوني، وهو ما يفسر تسارع عدد من المشاريع المهيكلة التي تشهدها المدينة اليوم، في أفق جعل فاس أكثر جاهزية، وأكثر قدرة على استقطاب الزوار والاستثمارات، وتقديم صورة حديثة عن مدينة تجمع بين عبق التاريخ ورهانات المستقبل.

هذه الخلفية جعلت منه مسؤولاً ترابياً يشتغل بهدوء، بعيداً عن الضجيج، لكنه حاضر بقوة في الميدان، يتابع الأوراش، ويقود الاجتماعات، ويحاول إعادة بناء الثقة بين المواطن والإدارة.

فاس اليوم، رغم كل هذه المشاريع، ما تزال في حاجة إلى الكثير. فهي تحتاج إلى استكمال مسار التأهيل داخل الأحياء المهمشة، وإلى مشاريع نقل حضري أكثر نجاعة، وإلى محطة طرقية عصرية تليق بمدينة بحجم العاصمة العلمية، بعيداً عن الضغط الذي يعيشه مدخل النسيج العتيق. كما تحتاج إلى تسريع إنجاز مشاريع كبرى توجد في طور الإنجاز، من قبيل القاعة المغطاة “أرينا” على طريق إيموزار، وقصر المؤتمرات، والمركز الثقافي الجديد.

غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن فاس دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من تدبير الانتظار إلى منطق الفعل والإنجاز. مرحلة يقودها مسؤول ترابي اختار أن يضع خدمة الوطن والمدينة فوق الحسابات الضيقة، وأن ينزل إلى الميدان لتفعيل الأوراش، مستحضراً أن المدن الكبرى لا تبنى بالخطب، بل بالإرادة والعمل والاستمرارية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى