“فاتورة الإهمال وغباء التواصل”.. الإحتقان المتراكم يُسقط قناع حكومة أخنوش

شهدت المدن المغربية، مؤخراً، و خاصة ليلة أمس انفجاراً شبابياً قادته مجموعات “جيل Z”، لم يكن مجرد غضب عابر، بل هو تنفيس لإحتقان عميق ومتراكم لسنوات بسبب الغلاء الطاحن للمعيشة وتآكل الطبقة الوسطى والفقيرة. هذا الإحتقان، الذي ضُبط لسنوات، وجد طريقه إلى الشارع ليواجه الحكومة التي بدت منفصلة عن واقع المواطنين.
إن الغضب اليوم ليس وليد اللحظة. فالمغاربة، وخصوصاً الشباب، يشعرون بأنهم يدفعون فاتورة اجتماعية باهظة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات والمنتجات الأساسية، بينما لا يجدون انعكاساً لهذا الغلاء على مستوى الخدمات العمومية. وعندما خرج “جيل Z” مطالباً بحقه في الصحة والتعليم والكرامة، كان يعبر عن قهر جيل كامل ضاقت به سبل العيش الكريم في وطنه.
إن حكومة عزيز أخنوش لم تدرك حجم هذا الإحتقان التاريخي. وبدل أن تستوعب رسالة الشارع، تفرغت لإدارة الأزمة بكثير من التردد والبطء والغطرسة الصامتة التي ميزت تعاملها مع الرأي العام منذ توليها المسؤولية.
أحد الأخطاء الكارثية لهذه الحكومة هو فشلها الذريع في التواصل والإدارة الإعلامية. لقد سمحت الحكومة، بسوء تواصلها، بتحويل ملف تنظيم كأس العالم 2030، وهو مشروع ملكي، إلى قنبلة سياسية في يد المحتجين.
إن الحكومة لم تستطع ترويج الرأي العام بأن مشاريع الملاعب والبنية التحتية الخاصة بـالمونديال هي مشاريع استراتيجية مؤطرة بآجال دولية وميزانيات غالباً ما تكون منفصلة أو مبررة بآثار اقتصادية بعيدة المدى. بل تركت المجال للرواية الشعبية لتسود: “مليارات تُصرف على الملاعب بينما المستشفيات تفتقر إلى الأطباء والسكان يئنون من غلاء المعيشة”. هذا الفشل في تقديم تفسير مقنع أو حتى محاولة الفصل الواضح بين “الميزانية الدولية” و”الميزانية الاجتماعية” هو دليل على قصور استراتيجي في إدارة العلاقة مع المواطن.
نحن نتهم الحكومة: لقد خذلت الشارع بفشلها في الإقناع وخذلت الوطن بعجزها عن استيعاب غضب شبابه. كان واجبكم أن تكونوا جسر الثقة، لكنكم أقمتم جداراً من الصمت وسوء التقدير!
في خضم التعبير المشروع عن المطالب العادلة، وقعت كارثة حقيقية في بعض بؤر الاحتجاج: التخريب المتعمد للممتلكات العامة والخاصة والمواجهات العنيفة. إن هذا التحول من التعبير السلمي إلى أعمال شغب غير مسؤولة لا يضر الدولة بقدر ما يخون المطالب الأصيلة للشباب.
إن المحتجين الذين قاموا بـرشق القوات العمومية بالحجارة وإضرام النيران وتدمير المرافق العامة و تخريب الممتلكات الخاصة هم في الحقيقة أعداء القضية التي يدعون الدفاع عنها. لا يمكن لمن يدعي المطالبة بتحسين الخدمات أن يكون أول من يدمر البنية التحتية والممتلكات التي هي ملك لعموم الشعب.
نحن نرفض ونقصف هؤلاء المخربين والمندسين: إنكم لستم ثواراً، بل مثيرو فوضى وخونة يستغلون إحتقان الناس الشريفة لتحقيق أغراض فوضوية. تذكروا أن رصيف الشارع الذي تدمرونه هو ملك للجارة والتاجر والطالب، ولن تمنحكم أعمال التخريب سوى وصمكم بالإجرام، وتحويل مطالبكم المشروعة إلى مجرد أعمال شغب تبرر القمع وتخدم أجندات الفاسدين!
إن سلمية الاحتجاج هي خط الدفاع الأول عن شرعية المطالب. وبمجرد التخلي عن هذه السلمية، يصبح المحتج المخرب جزءاً من المشكل، وليس الحل.
الخروج من هذا المأزق يتطلب عملاً مزدوجاً:
- على الحكومة:أن تعزل كل وزير تورط في إشعال الشارع و الإعتراف الفوري بحجم أزمة غلاء المعيشة والبدء في إجراءات عاجلة وعلنية لتخفيف الأعباء المعيشية. فتح حوار شفاف ومُنتج مع أطياف الشباب والمجتمع المدني الفعال، وتحديد سقف زمني للمشاريع الاجتماعية. لا يمكن للوعود الباهتة أن تعالج إحتقان سنوات.
- على المحتجين السلميين: التبرؤ العلني والفوري من أي عمل تخريبي، وعزل المخربين والمستغلين، و توقيف الإحتجاجات و إعطاء فرصة للدولة ، لأن القوة الحقيقية لـ”جيل Z” تكمن في عدالة قضيته، وليس في حجم الدمار الذي يمكن أن يحدثه.






