سياسة

زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية تشعل الغضب المغربي.. دعوات للاحتجاج في الفنيدق ومخاوف من انفلات حدودي جديد

تدخل العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، في خطوة أثارت منذ الإعلان عنها ردود فعل مغربية، ودفعت نشطاء وفعاليات مدنية إلى الدعوة لتنظيم وقفة احتجاجية بمدينة الفنيدق المحاذية لسبتة، بالتزامن مع وجود العاهل الإسباني داخل المدينة المحتلة.

وتأتي هذه التطورات في وقت لم تهدأ فيه بعد تداعيات أزمة الحدود والهجرة التي شهدتها سبتة خلال يوليوز الماضي، حين عرفت المنطقة تدفقات بشرية جماعية، قبل أن تتدخل السلطات المغربية لمنع محاولات العبور، وسط مواجهات وتوترات واسعة. وأكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن آلاف الأشخاص، بينهم قاصرون ونساء وأطفال، حاولوا العبور نحو سبتة يومي 29 و30 يوليوز، مشيراً إلى أن دعوات العبور الجماعي انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ويزيد توقيت الزيارة من حساسيتها، إذ ستكون أول زيارة لفيليبي السادس إلى سبتة ومليلية منذ اعتلائه العرش سنة 2014، كما أنها أول زيارة ملكية إسبانية إلى المدينتين منذ زيارة خوان كارلوس الأول سنة 2007، التي تسببت آنذاك في أزمة دبلوماسية مع الرباط.

الفنيدق على موعد مع احتجاجات

وفي آخر التطورات، ظهرت دعوة صريحة على شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم وقفة احتجاجية بمدينة الفنيدق يوم 14 أكتوبر على الساعة العاشرة صباحاً، بالتزامن مع زيارة الملك الإسباني إلى مليلية، وقد قدم أصحاب الدعوة تحركهم باعتباره وقفة سلمية للتعبير عن الموقف المغربي من قضية سبتة ومليلية، داعين هيئات المجتمع المدني والمواطنين من مختلف مناطق المملكة إلى المشاركة فيها مع احترام القانون والنظام العام.

وهذا التطور يعني أن زيارة العاهل الإسباني لن تمر، على الأرجح، من دون أن تحضر القضية في الشارع المغربي، خصوصاً في منطقة الشمال التي تعيش يومياً على وقع واقع جغرافي وسياسي استثنائي، حيث لا تفصل الفنيدق عن سبتة سوى مسافة قصيرة، بينما يظل ملف الثغرين حاضراً بقوة في الذاكرة السياسية والشعبية المغربية.

لكن من المهم التمييز بين ما هو مؤكد وما هو متداول؛ فالمؤكد حتى الآن وجود دعوة إلى احتجاج سلمي، أما الحديث عن احتجاجات شعبية واسعة أو اقتحام جماعي للثغر المحتل، فلا توجد بشأنه معطيات موثوقة تثبت أنه مخطط أو مقرر.

هل تتحول الاحتجاجات إلى انفلات على الحدود؟

مع ذلك، فإن حساسية المنطقة وتجربة يوليوز الماضي تفرضان طرح سيناريو آخر لا يمكن تجاهله، وهو احتمال حدوث انفلات جماهيري إذا خرجت الاحتجاجات عن السيطرة، خصوصاً في حال تجمعت أعداد كبيرة من المواطنين بالقرب من المعبر الحدودي.

فأي تجمع ضخم في محيط الفنيدق، بالتزامن مع وجود الملك الإسباني داخل سبتة، قد يتحول في ظروف معينة إلى ضغط ميداني غير مسبوق على المنطقة الحدودية، وقد يفتح الباب أمام محاولات عبور جماعية أو تدافع أو مواجهات، حتى إذا كانت الدعوات الأصلية قد انطلقت تحت شعار الاحتجاج السلمي.

وهنا تظهر مسؤولية جميع الأطراف في منع تحويل الحدود إلى ساحة مواجهة. كما أن أي اقتحام أو عبور جماعي غير قانوني، إذا وقع، سيكون تطوراً منفصلاً عن الدعوات المدنية السلمية المعلنة، ولا يمكن نسبته تلقائياً إلى الدولة المغربية أو إلى موقفها الرسمي.

بل إن المغرب، في حال حدوث انفلات من هذا النوع، سيكون أمام ضرورة واضحة تتمثل في ضبط حدوده وحماية النظام العام، مع التأكيد على أن أي تحرك فردي أو جماعي خارج القانون لا يمثل بالضرورة موقف الدولة المغربية.

وفي المقابل، سيكون من الخطأ أيضاً تحميل المغرب مسبقاً مسؤولية أي سيناريو افتراضي لم يقع، خصوصاً أن الرباط لم تعلن رسمياً تنظيم احتجاجات أو السماح باقتحام الحدود، في حين أن المعطيات المنشورة حالياً تتحدث عن دعوة مدنية سلمية.

لماذا اختارت مدريد هذا التوقيت؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا اختارت إسبانيا هذا التوقيت بالذات للقيام بأول زيارة ملكية إلى سبتة ومليلية منذ سنوات؟

من وجهة النظر الإسبانية، الزيارة تأتي في إطار تأكيد حضور الدولة الإسبانية في المدينتين، فيما يرى مراقبون أن لها أيضاً بعداً سيادياً واضحاً، خصوصاً أن القصر الملكي الإسباني يقدّم المدينتين باعتبارهما جزءاً من التراب الإسباني. وقد أشارت تقارير إسبانية إلى أن الزيارة تهدف إلى تأكيد السيادة الإسبانية على المدينتين، بالتوازي مع السعي إلى الحفاظ على العلاقات مع المغرب.

لكن من الجانب المغربي، فإن المسألة مختلفة جذرياً، لأن الرباط تعتبر سبتة ومليلية والثغور والجزر المحتلة أراضي مغربية، وبالتالي فإن زيارة ملك إسباني إليهما تحمل، بحكم طبيعتها ومكانها، رسالة سياسية وسيادية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد زيارة بروتوكولية عادية.

وهنا تحديداً تكمن نقطة الاستفزاز التي تثير غضب عدد من المغاربة: كيف يمكن لمدريد أن تتحدث في الوقت نفسه عن شراكة استراتيجية مع الرباط، وعن التعاون في الملفات الكبرى، ثم تختار لحظة شديدة الحساسية للقيام بزيارة ملكية إلى مدينتين يعتبرهما المغرب جزءاً من ترابه الوطني؟

أزمة يوليوز ما تزال حاضرة

ولا يمكن فصل زيارة أكتوبر عن أحداث يوليوز، التي شكلت واحدة من أخطر الأزمات الحدودية في السنوات الأخيرة.

فبحسب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بدأت دعوات رقمية للعبور الجماعي في الانتشار يومي 29 و30 يوليوز، قبل وصول أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين والأسر إلى الفنيدق ومحيط سبتة. وسجل المجلس تدخل السلطات المغربية لمنع محاولات العبور، إلى جانب وقوع مواجهات وأعمال عنف وتخريب في بعض المناطق.

أما مدريد، فقد تحدثت عن دخول أكثر من 72 ألف شخص إلى سبتة خلال أزمة يوليوز، بينما نفت الرباط أي تواطؤ أو تعمد في تسهيل التدفقات، وربطت الأزمة بالتضليل على شبكات التواصل والمهربين وسوء فهم بعض التطورات القانونية.

كما وصف فيليبي السادس الأزمة بأنها «غير مقبولة»، ودعا إلى تعزيز التضامن الأوروبي في مواجهة أزمات الحدود والهجرة، في موقف أعاد الملف المغربي إلى قلب النقاش الأوروبي حول حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

المغرب وإسبانيا.. شراكة قوية وخلاف سيادي لم ينته

المفارقة أن العلاقات المغربية الإسبانية تعيش في الوقت نفسه مستوى متقدماً من التعاون في ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار، إلى جانب التعاون المرتبط بالتحضير لكأس العالم 2030، لكن هذا التعاون لم يؤد إلى اختفاء الخلاف التاريخي حول سبتة ومليلية.

بل إن ما يحدث حالياً يؤكد أن الشراكة الاقتصادية والأمنية لا تعني بالضرورة تسوية الملفات السيادية.

المغرب يحتاج إلى إسبانيا كشريك أوروبي أساسي، وإسبانيا تحتاج إلى المغرب في ملفات استراتيجية عديدة، خصوصاً مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والأمن ومراقبة الحدود، لكن ذلك لا يلغي الموقف المغربي الثابت بشأن الثغرين.

ومن هنا، فإن أي تحرك إسباني في سبتة ومليلية يجب أن يُقرأ ضمن هذه المعادلة المعقدة، وليس باعتباره حدثاً منفصلاً عن تاريخ طويل من التوترات والمواقف المتعارضة.

هل تتحمل مدريد مسؤولية إشعال التوتر؟

المسألة لا تتعلق بمنع إسبانيا من القيام بزيارة إلى مدينتين تعتبرهما جزءاً من ترابها، وإنما تتعلق بمدى إدراك مدريد لحساسية الخطوة بالنسبة إلى بلد جار تربطه بها شراكة استراتيجية.

فالسياسة الخارجية لا تقوم فقط على الحقائق القانونية التي يعتمدها كل طرف، وإنما كذلك على حسابات التوقيت والرسائل والنتائج المحتملة.

وإذا كانت مدريد تعرف جيداً أن ملف سبتة ومليلية يمثل قضية حساسة بالنسبة إلى المغرب، وأن المنطقة شهدت قبل أسابيع فقط أزمة حدودية ضخمة، فإن اختيار هذه اللحظة للقيام بزيارة ملكية إلى المدينتين يمكن أن يُنظر إليه في المغرب باعتباره خطوة استفزازية وغير محسوبة العواقب.

والأخطر أن أي توتر ميداني قد يضر بالعلاقات الثنائية، ويفتح الباب أمام توظيف سياسي وإعلامي واسع للأزمة من أطراف داخل إسبانيا وخارجها.

الشمال المغربي أمام أيام حساسة

ومع اقتراب موعد الزيارة، ستبقى الأنظار متجهة إلى الفنيدق ومحيط سبتة، خصوصاً بعد ظهور الدعوات إلى الوقفة الاحتجاجية يوم 14 أكتوبر.

ويبقى الخيار الأكثر مسؤولية هو أن تتم أي احتجاجات في إطار سلمي وقانوني، وأن يتم التعبير عن الموقف المغربي من قضية الثغرين من دون المساس بأمن المواطنين أو الحدود أو الممتلكات.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد احتمال حصول انفلات إذا تجمعت أعداد كبيرة بالقرب من المعبر، خصوصاً في ظل التجربة المريرة التي عرفتها المنطقة خلال يوليوز. لكن ذلك يظل سيناريو محتملاً لا خبراً واقعاً، ولا توجد في المعطيات الحالية أدلة موثوقة على وجود خطة مغربية لاقتحام سبتة.

أما إذا وقع عبور جماعي أو اقتحام خارج القانون نتيجة انفلات ميداني، فإن تحميل المغرب مسبقاً مسؤولية ذلك سيكون أمراً غير دقيق، ما لم تثبت وقائع رسمية عكس ذلك؛ فالدولة لا تتحمل تلقائياً مسؤولية كل فعل يصدر عن أفراد أو مجموعات خارج إطار القانون.

ويبقى الرهان الحقيقي خلال الأيام المقبلة هو منع تحول خلاف سياسي وسيادي تاريخي إلى أزمة حدودية جديدة، لأن أي مواجهة على الأرض لن تخدم لا المغرب ولا إسبانيا، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى الهدوء والحوار وتدبير الخلافات بعيداً عن الاستفزازات.

أما مدريد، فعليها أن تدرك أن سبتة ومليلية ليستا مجرد محطتين في أجندة ملكية، وأن أي خطوة فيهما تحمل بالنسبة إلى المغرب دلالة سياسية وسيادية عميقة. وإذا كانت إسبانيا تريد فعلاً الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الرباط، فإن الحكمة تقتضي عدم تحويل الملفات الحساسة إلى أدوات للاستعراض السياسي أو الداخلي.

وفي المقابل، يبقى الموقف المغربي من الثغرين واضحاً وثابتاً، فيما تظل الطريقة التي ستتعامل بها الرباط مع دعوات الاحتجاج، وحجم المشاركة فيها، ومدى قدرتها على منع أي انفلات ميداني، من أبرز الملفات التي ستحدد شكل الأيام المقبلة في شمال المملكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى