جهة فاس مكناس: “لوبيات” الانتخابات تحول الأراضي الفلاحية إلى قلاع للمستودعات العشوائية

تغول النفوذ.. حين تصبح “الرخصة” آلية لخدمة الأجندات الخاصة
تعيش جهة فاس مكناس على وقع فضيحة عقارية وقانونية فجّرتها تقارير داخلية، تكشف عن تحول “الرخص الفردية” و”شهادات الإعفاء” إلى أدوات بيد رؤساء جماعات ومنتخبين نافذين لتشييد إمبراطوريات من المستودعات العشوائية. هذا الاختراق الممنهج لخرائط التعمير لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استغلال النفوذ السياسي لتحويل مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية إلى “مناطق صناعية سرية”، بعيداً عن أعين الرقابة الجمركية والضريبية، مما خلق اقتصاداً موازياً يخدم شبكات المصالح الانتخابية الضيقة.
إقليم مولاي يعقوب: “الهنكارات” كغطاء لتبييض المصالح
يُعد إقليم مولاي يعقوب النموذج الأبرز لهذه الاختلالات؛ حيث استغل “حيتان العقار” من المنتخبين الطبيعة الطبوغرافية والقرب الاستراتيجي من العاصمة العلمية لإقامة مئات المستودعات تحت غطاء “إصطبلات” أو “ضيعات نموذجية”. التحقيقات تشير إلى أن هذه المنشآت، التي حصلت على رخص بناء بأسماء أقارب ومقربين لتفادي الشبهات، تحولت إلى وحدات لتخزين مواد مجهولة المصدر وتصنيع سلع لا تحترم معايير الجودة، في وقت تفتقر فيه هذه “الغابات الإسمنتية” لأبسط شروط السلامة والوقاية من الحرائق، مما يضع سلامة الإقليم على المحك.
إقليم تاونات: مستودعات “الكيف” وتحدي التقنين
في منحى أكثر خطورة، يبرز إقليم تاونات كواجهة أخرى لاستغلال المستودعات العشوائية، لكن لأغراض ترتبط بزراعة وتجميع “الكيف”. فبالرغم من مجهودات الدولة في مجال التقنين، لا تزال شبكات نافذة تستغل مستودعات ضخمة شُيدت في مناطق وعرة وأراضٍ غابوية لتجميع وتخزين القنب الهندي خارج مسارات التتبع القانوني. هذه المستودعات، التي يحميها في الغالب “أعيان” محليون، تُستعمل كحلقات وصل في سلاسل التهريب أو التخزين السري، مستفيدة من رخص “منشآت فلاحية” مُنحت في ظروف غامضة من طرف مجالس جماعية يسيطر عليها منطق “المحاباة القبلية والانتخابية”.
امتدادات الفساد العقاري عبر أقاليم الجهة
لا يتوقف النزيف عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل ضواحي مكناس، صفرو، والحاجب، و مختلف أقاليم الجهة حيث تكرر ذات السيناريو: استصدار تراخيص لبناء منشآت فلاحية سرعان ما تتحول إلى مخازن لشركات كبرى تتهرب من الرسوم المهنية داخل المناطق الصناعية المنظمة. هذا “التواطؤ” بين المنتخبين وأصحاب الرساميل لم يساهم فقط في حرمان الجماعات من موارد مالية ضخمة، بل أدى إلى إرباك المخططات التنموية للجهة، حيث أصبحت “العشوائية المنظمة” هي القاعدة، والامتثال للقانون هو الاستثناء الذي يعرقله النافذون.
مواجهة “تغول” الشبكات: هل تنجح السلطات الترابية؟
أمام هذا الوضع، باتت مصالح الإدارة المركزية والولائية بجهة فاس مكناس مطالبة بضربة استباقية تتجاوز مجرد “الإحصاء” إلى “المحاسبة”. إن تفعيل مساطر الهدم في حق مستودعات يملكها منتخبون، والتدقيق في ثروات رؤساء الجماعات الذين اغتنوا من “ريع الرخص”، هو السبيل الوحيد لاستعادة هيبة الدولة وتطهير القطاع التعميري بالجهة. إن المعركة اليوم ليست ضد “البناء العشوائي” البسيط، بل ضد “فساد النخبة” التي تستخدم المؤسسات الديمقراطية كغطاء لخرق القانون وبناء المصالح الشخصية على حساب الملك العمومي والأمن الاقتصادي للجهة.






