سياسة

“جلالة الملك يعلن القطيعة مع مغرب الفوارق: جيل جديد من التنمية العادلة يطرق أبواب الوطن”

في لحظة فارقة من خطاب العرش، أطلق الملك محمد السادس نداءً واضحاً وصريحاً لإعادة ترتيب أولويات الدولة، عبر إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، داعياً إلى تجاوز المقاربات التقليدية التي أثبتت محدوديتها، واعتماد رؤية تنموية مجالية مندمجة تُعلي من شأن العدالة والإنصاف الترابي.

الملك، في خطابه، لم يتوقف عند حدود التشخيص، بل قدّم توجهاً عملياً واستراتيجياً، مفاده أن التفاوتات المجالية والاجتماعية لم تعد فقط خللاً في السياسات العمومية، بل أصبحت تحدياً وطنياً يجب معالجته بإرادة سياسية صارمة، وأدوات جديدة تضع الإنسان والمجال في صميم المعادلة التنموية.

نحو دولة مجالية عادلة ومندمجة

ما يطرحه الملك من خلال هذا التصور الجديد هو انقلاب هادئ في منطق الدولة التنموية: فبدل المركزية المفرطة التي تراكم الامتيازات في جهات محدودة، تأتي دعوته إلى “التنمية المجالية المندمجة” كتأكيد على أن الجهوية ليست مجرد إصلاح إداري، بل خيار تنموي ووطني بامتياز.

الدعوة الملكية لتثمين الخصوصيات المحلية وتكريس الجهوية المتقدمة، تراهن على تحرير الطاقات المحلية، وتفكيك قبضة المركز، بما يسمح بإطلاق نموذج من الإنصاف المجالي يضمن تقاسماً عادلاً للثروات والخدمات والفرص، ويجعل من التنمية شأناً مشتركاً بين الدولة والجهات والمواطن.

خريطة طريق رباعية الأبعاد

الخطاب الملكي لم يكن عاماً ولا فضفاضاً، بل قدّم خريطة طريق دقيقة ومحكمة، تنقل التنمية من حيز التنظير إلى مستوى الفعل الملموس. وهذه المحاور الأربعة تمثل أعمدة البناء الجديد:

  • أولاً: دعم التشغيل الجهوي، باعتباره مدخلاً أساسياً للكرامة والاندماج الاجتماعي، عبر تهيئة بيئة ملائمة للاستثمار المحلي وتثمين المؤهلات الاقتصادية الكامنة في كل جهة، من دون وصاية أو تهميش.

  • ثانياً: تقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، وخاصة التعليم والصحة، وهو ما يعكس وعياً عميقاً بأن هذه القطاعات ليست فقط خدمات، بل هي أدوات للعدالة وللتمكين الاجتماعي، ولا معنى لأي تنمية لا تحترم كرامة المواطن.

  • ثالثاً: تدبير مستدام واستباقي للموارد المائية، في وقت تتعاظم فيه تحديات المناخ وندرة المياه، ما يستدعي هندسة بيئية رشيدة وسياسات مائية قائمة على التوازن والنجاعة، حفاظاً على الأمن المائي للأجيال القادمة.

  • رابعاً: تأهيل ترابي مندمج ومنسجم مع الأوراش الكبرى، حتى لا تبقى المشاريع الوطنية الكبرى بمعزل عن دينامية الجهات، بل تنصهر في نسيج مجالي وطني موحد الرؤية والأهداف.

تنمية تُعيد توزيع السلطة والثروة معاً

الخطاب الملكي لا يدعو فقط إلى تنمية اقتصادية عادلة، بل إلى إعادة توزيع ذكية للسلطة التنموية نفسها، من المركز إلى الجهات، ومن الدولة إلى المواطن. إنها مقاربة تضع المواطن في قلب المشروع الوطني، وتعترف له لا فقط بحق الاستفادة، بل أيضاً بحق المبادرة والاقتراح والمشاركة.

في هذا السياق، تُفهم دعوة الملك إلى “نقلة حقيقية” ليس كمجرد إصلاح إداري، بل كعملية جراحية عميقة في بنية الدولة المركزية، تُفضي إلى ميلاد نموذج مغربي جديد، تنموي ومجالي، يضمد جراح الفوارق ويعيد الثقة في العدالة والإنصاف.

 ما بعد الخطاب ليس كما قبله

الرسالة وصلت. والرهان اليوم لم يعد على التنظير، بل على تنزيل هذه الرؤية الملكية بمسؤولية وجدية. الحكومة والمؤسسات الجهوية والمنتخبون، جميعهم أمام اختبار حقيقي: هل هم أهل لهذه المرحلة؟ وهل يمتلكون ما يكفي من الإرادة والكفاءة لترجمة هذا التوجيه إلى واقع؟

الخطاب الملكي ألقى الحَجَر في مياه السياسة العمومية، ولا عذر بعد اليوم لمن يتذرع بالماضي أو بالإمكانات. المغرب يدخل زمن العدالة المجالية الفعلية… فهل نملك الجرأة للمضي إلى النهاية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى