ترويج المغالطات.. مؤثرات مأجورة وأحزاب مهزومة في مهمة التشويش على المغرب

لم تمر سوى أيام قليلة على الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش المجيد، وما رافقه من أجواء احتفالية جسدت تعلق الشعب المغربي بملكه، حتى انطلقت آلة التشويش في محاولة لإفساد المشهد الوطني وخلط الأوراق. أطراف متعددة، من “مؤثرات” على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أحزاب سياسية فقدت وزنها الانتخابي، اصطفّت في خندق واحد، لترويج المغالطات وتغذية البلبلة، في توقيت محسوب يطرح أكثر من علامة استفهام.
تشويش مبرمج بعد خطاب العرش
خطاب العرش لهذه السنة حمل رسائل قوية حول ضرورة مواصلة البناء الديمقراطي، وتخليق الحياة السياسية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن مباشرة، حتى برزت حملات منظمة على منصات التواصل الاجتماعي، حاولت صرف الرأي العام عن جوهر الخطاب والانشغال بملفات مفتعلة، بعضها مغلّف بادعاءات حقوقية، وبعضها الآخر لا يتعدى مستوى الإشاعة.
التوقيت لم يكن بريئاً، فالهجوم جاء مباشرة بعد مناسبة وطنية موحِّدة، وكأن الهدف هو ضرب حالة التماسك الداخلي وخلق مناخ من الشك والريبة. المؤسف أن جزءاً من هذه الحملات لم يأتِ من خصوم الخارج فقط، بل وجد امتداداً داخلياً لدى فئة من النشطاء الافتراضيين وبعض الكيانات السياسية التي لم تتقبل الهزيمة الانتخابية، فاختارت أن تلعب دور “المعارضة الفوضوية” بدل المعارضة المؤسساتية المسؤولة.
المؤثرة المأزومة.. من البحث عن الأضواء إلى الارتباك النفسي
من بين النماذج التي برزت مؤخراً، مؤثرة باتت تعيش حالة انفصام في الشخصية واضطراباً نفسياً واضحاً، حيث انتقلت من تقديم نفسها كصانعة محتوى إلى الظهور في بثوث مباشرة مليئة بالتناقضات والانفعالات غير المتزنة. هذه الحالة المربكة جعلتها عرضة للسخرية والانتقاد، لكنها في الوقت نفسه وجدت من يلتقطها كأداة لإثارة الجدل وإشغال الرأي العام بقضايا هامشية.
ناشطة مثلية مثيرة للجدل
أما النموذج الآخر، فهو لسحاقية تقدم نفسها كـ”ناشطة حقوقية”، ظهرت مؤخراً وهي ترتدي قميصاً يحمل عبارة تسيء للذات الإلهية، في استفزاز فج لمشاعر المغاربة. هذا التصرف قوبل بموجة استنكار واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، ولم يجد من يبرره سوى قلة قليلة تدّعي الدفاع عن حرية التعبير حتى لو تجاوزت الخطوط الحمراء ومسّت الثوابت الدينية والوطنية.
أحزاب مهزومة.. معارضة بالضوضاء
لا يمكن فصل هذا المشهد عن الدور الذي تلعبه بعض الأحزاب السياسية التي فقدت ثقة الناخبين، وفشلت في تحقيق أي حضور مؤثر داخل المؤسسات المنتخبة. هذه الأحزاب، بدل مراجعة ذاتها وإعادة بناء خطابها، لجأت إلى ركوب موجة الانتقادات الشعبوية وتبني سرديات الصفحات الفيسبوكية المجهولة المصدر.
من خلال تتبع تصريحات بعض القيادات الحزبية والخرجات الإعلامية الموجهة، يمكن ملاحظة انسياقها وراء قضايا هامشية، وتضخيمها إلى درجة إرباك النقاش العمومي. الهدف واضح: التشويش على الحكومة، وخلق إحساس عام بالفشل والعجز، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار البلاد وصورتها.
الدولة.. يقظة ومتابعة دقيقة
رغم هذه المحاولات، فإن الدولة المغربية لم تتعامل مع الأمر من موقع المتفرج. الأجهزة المختصة تتابع عن كثب كل ما يُنشر ويتم تداوله، وتفعّل المساطر القانونية ضد أي فعل يخرق القانون أو يمس بثوابت الأمة. فالحرية مكفولة، لكن سقفها يظل محكوماً بالقانون وباحترام النظام العام.
التجربة المغربية في هذا المجال واضحة: لا تساهل مع خطاب الكراهية أو المس بالمقدسات، ولا تردد في تطبيق القانون على الجميع، مهما كان موقعه أو شعبيته الافتراضية. وفي هذا السياق، فإن فتح تحقيق مع المؤثرة التي اعترفت باستفادتها غير القانونية من دعم الجمعيات، يدخل في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ أساسي دعا إليه جلالة الملك في أكثر من خطاب،أما السحاقية فهي تقبع في الحراسة النظرية الى حين إتخاذ القرار فيها و تقديمها على العدالة بالمنسوب اليها.
حرب ناعمة على استقرار المغرب
من يتأمل خيوط هذه الحملة يكتشف أنها ليست مجرد ردود فعل فردية، بل جزء من “حرب ناعمة” تستهدف المغرب، تستغل مناخ الحرية والانفتاح لتسريب رسائل مشوشة، تارة باسم الدفاع عن الحقوق، وتارة أخرى باسم النقد السياسي. لكنها في الجوهر تصب في خدمة أجندات خصوم الوحدة الترابية، الذين يراهنون على خلق صدع داخلي يُضعف الجبهة الوطنية.
ولأن هذه الحرب لا تُدار بالدبابات أو الصواريخ، بل بالمنشورات واللايفات والهاشتاغات، فإن مواجهتها تحتاج إلى وعي جماعي، وإلى إعلام مهني قادر على تفكيك الروايات المضللة وفضح خلفياتها، بدل ترك الساحة فارغة أمام التضليل المنظم.
المغرب.. حصانة الديمقراطية تحت مظلة الملكية
يبقى المغرب، رغم كل هذه المحاولات، بلداً ديمقراطياً يضمن حرية الرأي والتعبير، لكن في إطار الضوابط القانونية التي تحمي الاستقرار العام. جلالة الملك، بصفته أمير المؤمنين ورئيس الدولة، يشكل الضمانة الكبرى لحماية هذه المكتسبات، من خلال حرصه على نزاهة الانتخابات، ودعوته الدائمة إلى تخليق الحياة السياسية، وتأكيده على أن المحاسبة يجب أن تطال الجميع دون استثناء.
إن مواجهة التشويش الممنهج ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مهمة مشتركة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والإعلام والمواطنين، من أجل تحصين البلاد من محاولات الإرباك، والحفاظ على مسارها الإصلاحي والتنمية المستدامة.






