مجتمع

مغاربة العالم… بين شعارات الرقمنة ورحلات الصيف الحارقة خلف الإدارات

في الوقت الذي انشغلت فيه عمالات المملكة، أمس، بتنظيم حفلات استقبال بروتوكولية على شرف ممثلي الجالية المغربية، وسط ابتسامات رسمية وكلمات منمقة، ظلّت الحقيقة على الأرض أكثر قسوة: آلاف من أبناء الجالية، بدل قضاء عطلتهم بين الأهل والاستجمام، يقضون أيامهم في طوابير الإدارات، يركضون من مكتب إلى آخر تحت شمس الصيف الحارقة، فقط لتسوية وثيقة أو إنهاء إجراء إداري بسيط.

اليوم الوطني للجالية، الذي يرفع هذا العام شعار “ورش الرقمنة: تعزيز لخدمات القرب”، تحوّل إلى مناسبة لترديد نفس الكلام الجميل عن ارتباط الوطن بأبنائه في المهجر، لكن الواقع ما زال يثبت أن الطريق طويل جدًا. فالبيروقراطية الإدارية تقف كجدار صد، والمعلومة الصحيحة حول الاستثمار أو المساطر تبقى عملة نادرة، والتحدي الأكبر يظل في الحفاظ على الهوية الوطنية واللغة العربية وسط أجيال وُلدت ونشأت في بيئات مختلفة.

نعم، هناك خطوات إيجابية: خدمات قنصلية رقمية، قنصليات متنقلة، شبابيك موحدة، وبرامج ثقافية للشباب. لكن هذه المبادرات، رغم أهميتها، ما زالت تبدو مثل رتوش تجميلية على وجه واقع يحتاج إلى عملية جراحية شاملة. فالرقمنة وحدها لا تكفي إذا بقيت العقلية الإدارية حبيسة الورق والطابع والختم.

الكثير من مغاربة العالم يعودون كل صيف محملين بالآمال، لكنهم يصطدمون بالواقع: موعد مؤجل، ملف مفقود، رد إلكتروني لا يأتي، وموظف يطلب “العودة الأسبوع المقبل”. وهكذا تتحول عطلة العودة إلى ماراثون إداري، يستهلك الوقت والمال والأعصاب، ليغادروا الوطن بذكريات مريرة بدل الحنين المتجدد.

المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالشعارات السنوية ولا الصور التذكارية، بل الانتقال إلى تفاعل دائم، برؤية تحترم تنوع الأجيال وتستثمر إمكاناتهم في التنمية الوطنية. فالجالية ليست “ضيفًا صيفيًا”، بل شريك استراتيجي ينبغي أن يجد وطنه جاهزًا للتواصل معه طوال العام، لا فقط عند موسم العودة.

أما الاكتفاء بالاحتفالات الرسمية والخطب الرنانة، فهو بيع للوهم تحت شعار الوطنية، وإصرار على إعادة نفس المسرحية كل سنة، بينما المعاناة الحقيقية تُترك بلا حل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى