سياسة

الولاة و العمال يفضحون تبذير المال العام: رؤساء جماعات يتهافتون على الكماليات والماء مقطوع عن السكان

في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الانفصام بين أولويات المواطنين وواقع تدبير الشأن المحلي، شدّد عدد من عمال الأقاليم، خصوصاً بجهات الدار البيضاء-سطات، مراكش-آسفي، وفاس-مكناس، الرقابة على ميزانيات الجماعات الترابية التابعة لنفوذهم، ورفضوا التأشير على مشاريع اعتُبرت مخالفة لتعليمات التقشف الصادرة عن الحكومة، وسط ذهول مجالس اعتادت تمرير صفقاتها بلا حسيب ولا رقيب.

مصادر مطلعة كشفت للجريدة “فاس24″، أن المسؤولين الترابيين، ولا سيما المعينين حديثًا في إطار الحركة الانتقالية الأخيرة، أسقطوا العشرات من المشاريع التي لا تستجيب لحاجيات الساكنة الملحّة، في مقدمتها الماء الصالح للشرب، واعتبروها “كماليات مبذّرة”، منها صفقات كراء  و شراء سيارات فارهة وتجهيزات غير ذات أولوية، في وقت تنام فيه القرى والمداشر على صفيح عطش وجفاف خانق.

رفض العمال التأشير على هذه المشاريع لم يكن مجرد قرار تقني، بل رسالة واضحة: زمن العبث بميزانيات الجماعات قد ولّى. فسلطات الوصاية – التي ظلت طيلة سنوات “تتساهل” مع أخطاء شكلية وإجرائية – اختارت اليوم الوقوف بالمرصاد في وجه أي انحراف عن التوجيهات المركزية، ما أربك حسابات العديد من رؤساء الجماعات الذين ظنّوا أن المال العام ملكٌ يُصرف على هواهم.

بعض رؤساء الجماعات – حسب نفس المصادر – حاولوا تمرير صفقات مشبوهة في آخر لحظة، رغم أن آجال تنفيذها تلامس خطوط التقادم، دون أدنى اعتبار للأوضاع البيئية والاجتماعية المتدهورة في مناطقهم، والاحتياجات الحيوية للمواطنين، وعلى رأسها الماء.

مثيرٌ للسخرية أن بعض الجماعات حاولت برمجة اقتناء سيارات جديدة لفائدة رؤسائها، في وقت تتقاطر فيه شكايات من المستشارين المعارضين، ومن المواطنين أنفسهم، بسبب الانقطاعات المتكررة في مياه الشرب وجفاف العيون والسقايات. فهل يُعقل أن تُصرف الملايين على مركبات إدارية فخمة بينما السكان يبحثون عن قنينة ماء في عز الصيف؟

التحول الملحوظ في موقف سلطات الوصاية يعكس نَفَسًا جديدًا في منهجية المراقبة، حيث لم تكتف العمالات بإبداء ملاحظات عامة، بل صاغت تقارير دقيقة تُفنّد كل محاولة لتمرير النفقات المغشوشة. كما امتنعت عن “ترقيع” الأخطاء الشكلية كما كان يحدث سابقاً، ما أجبر رؤساء الجماعات على مراجعة حساباتهم والوقوف أمام الواقع: لا تأشير لمن يُخطط بعيدًا عن منطق الأولويات الوطنية.

القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات (113.14) واضح: الميزانيات تخضع لرقابة دقيقة من المجالس الجهوية للحسابات، والمفتشيات العامة للمالية والإدارة الترابية، وكل عملية مالية تُدقق وتُعرض على لجان مختصة. ومع ذلك، لا يزال بعض المنتخبين يتصرفون وكأنهم في ضيعة خاصة، متناسين أن زمن الإفلات من المحاسبة بدأ يتآكل.

مشاهد العطش، الغلاء، والعجز عن تعبيد طريق أو إصلاح مدرسة، لا تعود فقط لقلة الإمكانيات، بل لسوء التدبير والتهافت على المصالح الشخصية. والقرار الأخير لعمال الأقاليم بإسقاط مشاريع “الكماليات” هو أول مسمار يُدق في نعش العبث الجماعي الذي طال أمده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى