مجتمع

القطب الحضري “رأس الماء”: “قندهار” على أبواب فاس.. أين اختفت ميزانيات التنمية الملكية وسط ريع المنتخبين؟

ليست هذه الصور القادمة من “رأس الماء” لقطات من أدغال إفريقيا، ولا هي مشاهد من أزقة “قندهار” الغارقة في التخلف؛ بل هي واقع مرير لقطب يُفترض أنه “حضري” يقع تحت نفوذ جماعة عين الشقف بإقليم مولاي يعقوب. على بعد كيلومترات قليلة من مدينة فاس، يعيش المواطنون “نكبة” حقيقية وسط الأوحال والفقر التنموي، في مشهد يبعث على الذهول ويسائل ضمير كل من يدبر شأن هذه الجهة.

قطب دشنه الملك.. وأجهضه “الريع السياسي”

المأساة الكبرى تكمن في أن هذا القطب الحضري حظي بعناية ملكية سامية؛ حيث زاره جلالة الملك محمد السادس مرتين، وأعطى تعليماته السامية لتنميته، ودشن به مرافق ومؤسسات عمومية واجتماعية وأحياء سكنية. كان الهدف هو تحويل المنطقة من بؤرة للصفيح (حي ازليلك السابق الذي تم هدمه بعد أحداث إرهابية أليمة شهدتها المملكة لتطهير محيط فاس من الدواوير الخطيرة) إلى قطب حضري كرام يضمن كرامة العيش. لكن، وبعد سنوات، ظل القطب رهين التهميش والإقصاء، وكأن تعليمات الملك لا تجد طريقها للتنفيذ وسط “بلوكاج” الإهمال.

“مكس” و”سبت لوداية”: تنمية بدرجة “صفر”

وإذا كانت صور “رأس الماء” فظيعة، فإن الواقع ببعض الجماعات الترابية الأخرى بالإقليم مثل “مكس” و”سبت لوداية” و”لعجاجرة” يتجاوز كل حدود الوصف. تسود الأوحال وتغيب الطرق، وتعيش الساكنة خارج سياق الزمن التنموي؛ مشاريع “على الورق” وواقع مرير يؤكد أن التنمية في هذه المناطق تساوي “صفراً” مكعباً.

مجلس الجهة والمنتخبون: هدر للمال العام وسفريات “الاستجمام”

بينما تغرق دواوير الجهة وأقطابها الحضرية في الوحل، ينشغل “منتخبو الريع” في مجلس الجهة والداخل الجماعي بتبذير المال العام. مسؤولون يتسابقون على السفريات نحو الخارج تحت ذريعة جلب الاستثمارات، وهدر لميزانيات ضخمة في ندوات ولقاءات لا تسمن ولا تغني من جوع، في وقت تتعثر فيه المشاريع التنموية الأساسية. إن ما تعيشه جهة فاس-مكناس اليوم هو “ريع سياسي” بامتياز، حيث تُصرف الاعتمادات في الولائم والكماليات، ويُترك المواطن في “رأس الماء” يصارع برك الماء والطين للوصول إلى منزله.

من “ازليلك” إلى “العزلة”: هل ضاع الحلم الحضري؟

تأسيس قطب “رأس الماء” كان يهدف لإنهاء حقبة “ازليلك” السوداء وتأمين محيط العاصمة العلمية، لكن السياسات التدبيرية الفاشلة أعادت إنتاج العزلة بشكل جديد. المنتخبون اليوم مطالبون بتقديم كشف حساب عن المبالغ المرصودة لتأهيل هذا القطب؛ أين ذهبت الميزانيات؟ ولماذا لم تتحول التعليمات الملكية إلى واقع ملموس على الأرض؟

 إن استمرار هذا الوضع بجهة فاس-مكناس هو إهانة لذكاء المواطنين وضرب في عمق المشروع المجتمعي للمملكة. القطب الحضري “رأس الماء” يصرخ، والمسؤولون في “سبات عميق” أو في “رحلة عمل” بالخارج. لقد حان الوقت للمحاسبة، وربط المسؤولية بالعقاب، فالتنمية لا تُبنى بالخطابات، بل بانتشال المواطنين من وحل الإقصاء والتهميش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى