الأحرار في منعطف الحسم: العدّ العكسي لاختيار خليفة أخنوش ورهان الحفاظ على الموقع السياسي

دخل حزب التجمع الوطني للأحرار مرحلة دقيقة من تاريخه التنظيمي، مع اقتراب لحظة الكشف عن الاسم الذي سيخلف عزيز أخنوش في قيادة الحزب، في سياق سياسي مشحون وتحديات اجتماعية وانتخابية تفرض على الحزب اختيارات محسوبة بدقة، تتجاوز منطق الأسماء إلى سؤال المشروع والقدرة على الاستمرار.
وكشفت مصادر متطابقة أن عزيز أخنوش عقد خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة لقاءات مكثفة مع قيادات الحزب والمنسقين الجهويين، خُصصت لتقييم المرحلة واستشراف ما بعدها، خاصة في ظل اقتراب الحزب من استكمال ولايته التنظيمية والدخول في مرحلة تدبير الاستحقاقات التشريعية المقبلة. لقاءات حملت، وفق المصادر ذاتها، رسائل واضحة بضرورة التحضير الهادئ والمسؤول لمرحلة ما بعد أخنوش.
وحسب المعطيات المتوفرة، فإن رئيس الحزب شدد خلال هذه الاجتماعات على ضرورة البحث عن طاقة شابة قادرة على قيادة التنظيم، شريطة أن تكون قد راكمت تجربة حقيقية داخل دواليب الحزب وهياكله، وتشبعت بثقافته التنظيمية، دون أن تكون قد استهلكت سياسيًا أو ارتبط اسمها بإدارة حكومية أو مسؤوليات تنفيذية سابقة قد تُثقل رصيدها لدى الرأي العام.
ويبدو أن حزب الأحرار بات مقتنعًا بأن المرحلة المقبلة تفرض بروفايلًا جديدًا، يقطع مع منطق إعادة تدوير الوجوه التقليدية، ويستجيب لتحولات المزاج الاجتماعي والسياسي. بروفايل يجمع بين الكفاءة التنظيمية والقدرة على التواصل، سياسي يتقن مخاطبة الرأي العام، ويملك أدوات تهدئة الاحتقان الاجتماعي، وقادر على امتصاص الغضب وتدبير الأزمات دون السقوط في منطق المواجهة أو الارتباك.
رهان الحزب اليوم لا ينفصل عن السياق العام، فالتجمع الوطني للأحرار مقبل على مرحلة حساسة عنوانها الحفاظ على مرتبته السياسية ومكاسبه الانتخابية، في ظل تنافس حزبي محتدم وانتظارات اجتماعية مرتفعة. مرحلة تفرض قيادة قادرة ليس فقط على تدبير الشأن الداخلي للحزب، بل على إعادة شحن خطابه السياسي، وتطوير آليات اشتغاله، وضخ نفس جديد في تنظيم أنهكته سنوات من التدبير الحكومي والضغوط الاجتماعية.
وتؤكد مصادر حزبية أن النقاش داخل الأحرار لا يتركز فقط حول “من سيخلف أخنوش”، بل حول أي حزب يريد الأحرار أن يكونوا عليه في المستقبل: حزبًا انتخابيًا محافظًا على مكتسباته، أم حزبًا متجددًا قادرًا على توسيع قاعدته واستعادة المبادرة السياسية، خاصة مع اقتراب مواعيد تشريعية ستكون حاسمة في رسم الخريطة السياسية المقبلة.
في هذا السياق، يدرك قادة الحزب أن أي خطأ في اختيار القيادة المقبلة قد يكلّف التنظيم كثيرًا، سواء على مستوى التماسك الداخلي أو الحضور الانتخابي. لذلك يسود توجه واضح نحو البحث عن شخصية لم تتحمل مسؤوليات حكومية من قبل، بما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة، ويجنب الحزب كلفة التراكمات الثقيلة للمرحلة السابقة.
ومع اقتراب الحسم، يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار يسير على خيط رفيع بين الاستمرارية والتجديد، بين الحفاظ على ما تحقق خلال السنوات الماضية، وضرورة إعادة بناء الثقة مع فئات اجتماعية واسعة. وهو رهان لن يُحسم بالأسماء فقط، بل بمدى قدرة الحزب على إنتاج قيادة سياسية جديدة، تقود مرحلة ما بعد أخنوش بجرأة، ووعي بحجم التحولات، واستعداد حقيقي لمعركة سياسية وانتخابية لن تكون سهلة.






