الحكومة تتبجح بدعم السكن.. والأرقام الرسمية تفضح ركود العقار

مرة أخرى، تسقط بروباغندا الحكومة أمام صلابة الأرقام الرسمية. فبينما يخرج المسؤولون للتباهي بكون الدعم الموجه للسكن قد أعاد الروح إلى سوق العقار وحرك عجلة الرواج الاقتصادي، تكشف معطيات الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية وبنك المغرب أن القطاع يعيش واحدة من أعمق فترات الركود منذ سنوات.
الأرقام لا ترحم: خلال الفصل الثاني من 2025 تراجعت المعاملات العقارية بـ 10.8%، وهو ما يعكس انخفاضا كارثيا بنسبة 15.1% في مبيعات العقارات السكنية. أما العقارات المهنية فانكمشت بنسبة 13.3%، بينما لم تسجل الأراضي سوى ارتفاع هزيل لا يتجاوز 6%. وبالقياس السنوي، بلغت الضربة أقسى: تراجع المعاملات الإجمالية بـ 21.2%، ضمنها انهيار بـ 25.9% في العقارات السكنية، أي القطاع الذي يفترض أن يستفيد مباشرة من “برنامج الدعم”.
كيف يمكن لحكومة أن تتحدث عن نجاح سياستها في إنعاش العقار بينما المؤشرات تسجل جمودا في الأسعار (ارتفاع طفيف بـ0.1% فقط للسكن) وانخفاضا بـ0.3% للأراضي والعقارات المهنية؟ كيف يمكن لقطاع أن “ينتعش” وهو يفقد زبناءه ويزداد عزوف المواطنين عن الشراء؟
المفارقة تكمن في التباين بين المدن: الرباط تسجل ارتفاعا صاروخيا في الأسعار بنسبة 24% للسكن، أي أن الدعم الحكومي لم يذهب إلى الفئات الشعبية كما يروج، بل تم تحويله إلى وقود إضافي للمضاربة ورفع الأسعار. في المقابل، الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية، تسجل تراجعا بـ 0.5% في الأسعار وبـ 13.9% في المبيعات، ما يعكس ركودا حقيقيا ينسف خطاب الحكومة. أما طنجة، فقد بصمت على انهيار غير مسبوق في المبيعات وصل إلى 19%، منها 75% في العقارات المهنية، وهو رقم يختصر حجم الأزمة.
الأدهى أن هذه الأرقام تصدر عن مؤسسات رسمية (بنك المغرب والمحافظة العقارية)، لا عن معارضين سياسيين أو نقابيين. ومع ذلك تواصل الحكومة بيع الوهم للرأي العام، متحدثة عن “إقبال كبير” على السكن الاقتصادي و”حركية” في السوق، بينما الحقيقة أن الركود يعم المدن الكبرى والصغرى على السواء.
إن دعم السكن الذي تم تقديمه على أنه “منقذ للطبقات المتوسطة” لم يكن سوى عملية تسويق سياسي لشراء الوقت. الأموال العمومية التي صُرفت لم تنعكس على تحسين الولوج إلى السكن أو خفض الأسعار، بل غذّت المضاربة العقارية وعمّقت الهوة بين العرض والقدرة الشرائية للمواطنين.
في المحصلة، الأرقام الرسمية تقول بوضوح: الحكومة فشلت في تحريك العقار، وسوق السكن يعيش ركودا بنيويا، بينما الخطاب الرسمي يصر على بيع “النجاحات الوهمية”. هي مفارقة تختصر جوهر السياسات العمومية الحالية: إشهار سياسي في مواجهة واقع اقتصادي مأزوم.






