سياسة

الجهوية المتقدمة بالمغرب: ضرورة كفاءات منتخبة وإعادة هيكلة السلطات لمواجهة تحديات التنمية

لا يزال تنزيل الجهوية المتقدمة بالمغرب يواجه تحديات حقيقية، رغم التقدم المسجل على المستوى القانوني والمؤسساتي. فالتنمية المحلية والمستدامة لم تصل بعد إلى جميع الأقاليم، بسبب غياب الحكامة الفعلية في التدبير، وضعف التنسيق بين مختلف الفاعلين على الصعيد المركزي والترابي، سواء من المنتخبين أو ممثلي السلطة أو المصالح الخارجية للقطاعات الوزارية.

تشخيص حاد: الفشل في النهوض بالأقاليم

تشير المعطيات إلى أن الفشل يكمن في ضعف أداء المنتخبين والأطر الإدارية، وغياب نموذج واضح للمدن الذكية، وانعدام استراتيجية محكمة لمحاربة التفاوت المجالي بين المدن الكبرى والمناطق القروية أو النائية. كما أبدت المصالح الوزارية رفضها إعادة انتشار الكفاءات الميدانية إلى المناطق العميقة، مفضلة إبقاءها في المدن المتوفرة على بنيات تحتية، وهو ما ساهم في تعميق فجوة التنمية.

وعلى الرغم من المناظرات والندوات السياسية والفكرية، ومناقشة النموذج التنموي الجديد، لا تزال الإشكالية الأساسية تتمثل في الفاعلين الميدانيين، من منتخبين وولاة وعمال وأطر الأجهزة الحكومية، إلى جانب غياب تقائية البرامج بين الوزارات المختلفة، وغياب آليات تسريع الاستثمار، واستمرار البيروقراطية الإدارية.

خارطة طريق وإجراءات عاجلة

في سياق متابعة ورش الجهوية المتقدمة، تم الاتفاق على مشروع خارطة طريق يتضمن 97 آلية إجرائية، منها 35 آلية ذات أولوية، موزعة على أربعة محاور استراتيجية تشمل: تعزيز الاستثمار المنتج ودعم التشغيل، تطوير البنيات التحتية والخدمات الأساسية في الوسطين الحضري والقروي، ترشيد تدبير الموارد المائية والطاقية والبيئية، وتعزيز التأهيل الترابي المندمج. ومن المقرر بدء تنفيذ هذه الخطة ابتداء من فبراير المقبل.

لكن، وحتى الآن، لم تُعمم هذه الإجراءات على جميع الفاعلين الميدانيين، ما يخلق فجوة بين المخطط والتطبيق، ويترك الباب مفتوحًا لمخاطر استمرار ما يسمى “مغرب السرعتين”، حيث تتقدم المدن الكبرى على حساب المناطق النائية.

إنجازات ملموسة لكن بحاجة إلى تكامل

وأبرزت المخرجات الأخيرة للورش بعض الإنجازات المهمة، مثل إعداد التصاميم الجهوية وبرامج التنمية، وتحويل الاعتمادات المالية للجهات بنسبة 100٪ لسنة 2025. ومع ذلك، لا تزال تحديات مثل تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وتمويل الجهوية المتقدمة، وإعطاء صلاحيات واسعة للمنتخبين قائمة، وتتطلب إرادة سياسية قوية وتغيير عقليات الفاعلين.

الجانب الإنساني والخدمات الاجتماعية

وقد استعرضت الحكومة جهودها في الاستجابة للزلازل والكوارث الطبيعية، حيث تم بناء عشرات الآلاف من المساكن، وتجهيز مئات المؤسسات التعليمية والمستشفيات، وتحسين شبكات الطرق والخدمات الأساسية. كما تم دعم الأسر المتضررة مالياً، وتسهيل تراخيص البناء، وتمكين المقاولات المحلية من الانخراط في مشاريع الإعمار، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية.

يبقى التحدي الأكبر في تنزيل الجهوية المتقدمة هو الكفاءات الميدانية للمنتخبين والأطر الإدارية، وقدرتهم على ترجمة التوجهات الملكية والسياسات الحكومية إلى برامج تنموية ملموسة على أرض الواقع. كما يظل غياب التنسيق والتقائية البرامجية بين مختلف المصالح الوزارية عقبة كبيرة أمام تحقيق التنمية المتكاملة. إذا أراد المغرب تجاوز المغرب ذات السرعتين، فإن الطريق يمر بالتحرك الجدي لإعادة هيكلة السلطات الميدانية وتفعيل صلاحيات المنتخبين، مع اعتماد آليات واضحة للتقييم والمتابعة، بعيدا عن العشوائية والبيروقراطية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى