قضايا

افتحاص ثقيل يهز وكالة التنمية الفلاحية.. المجلس الأعلى للحسابات يفتح ملفات الصفقات وتفويت الأراضي وسط شبهات تدبير بمئات الملايين

دخلت وكالة التنمية الفلاحية مرحلة دقيقة وحساسة، بعد شروع قضاة المجلس الأعلى للحسابات في عمليات افتحاص وتدقيق مالي وإداري واسعة، همّت عدداً من الصفقات وملفات تفويت الأراضي التي أُبرمت خلال السنوات الأخيرة، في خطوة تعكس تصاعد مؤشرات القلق بشأن طريقة تدبير واحدة من أهم المؤسسات المرتبطة بالقطاع الفلاحي والاستثمار القروي بالمملكة.

وبحسب معطيات متداولة داخل أوساط قطاع الفلاحة والتنمية القروية، فإن عملية الافتحاص الجارية لا تقتصر فقط على الجوانب المحاسباتية التقليدية، بل تشمل التدقيق في مساطر تفويت عقارات وأراضٍ ذات طابع استراتيجي، إلى جانب مراجعة صفقات مالية ضخمة أبرمتها الوكالة خلال الفترة الماضية، وسط تساؤلات متزايدة حول جدواها وشفافية مساطر إسنادها.

ويأتي هذا التحرك الرقابي في سياق يتسم بتنامي الجدل حول تدبير العقار الفلاحي العمومي، خاصة في ظل الانتقادات المرتبطة بطريقة استغلال الأراضي التابعة للدولة، ومسارات تحديدها وتفويتها، ومدى انسجامها مع الأهداف الحقيقية للاستثمار الفلاحي والتنمية القروية وتحقيق الأمن الغذائي الوطني.

كما تشير المعطيات المتداولة إلى أن قضاة المجلس الأعلى للحسابات يركزون جزءاً مهماً من التحقيقات على مدى مطابقة المعطيات الرقمية المرتبطة بالعقارات والأراضي المعروضة عبر المنصات الرسمية مع الوضع الحقيقي على أرض الواقع، وهو معطى يثير تساؤلات عميقة حول الحكامة الرقمية وآليات المراقبة والتتبع داخل المؤسسة.

ولم تتوقف الشبهات المثارة عند حدود العقار، بل امتدت أيضاً إلى عدد من الصفقات المرتبطة بالمشاركة في المعارض والتظاهرات الدولية، والتي كلفت ميزانيات ضخمة بملايين الدراهم، وسط علامات استفهام حول طبيعة العائد الحقيقي لهذه المشاركات على القطاع الفلاحي الوطني، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها العالم القروي بسبب توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية.

كما عادت إلى الواجهة ملفات صفقات تواصلية وإعلامية أُبرمت بمبالغ مالية مهمة، في وقت يرى فيه متابعون أن الأولوية كان يفترض أن توجه نحو دعم الفلاحين الصغار ومواكبة التحولات المناخية والاقتصادية التي تضغط بقوة على القطاع الفلاحي المغربي.

ويعتبر متابعون أن ما يجري اليوم داخل وكالة التنمية الفلاحية يتجاوز مجرد افتحاص إداري عادي، ليعكس توجهاً متزايداً نحو تشديد الرقابة على المؤسسات العمومية التي تدبر ميزانيات واستثمارات استراتيجية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي والعقار العمومي والاستثمار الفلاحي.

كما أن هذه التطورات تعيد النقاش بقوة حول حصيلة عدد من المؤسسات العمومية التي عمر مسؤولوها لفترات طويلة على رأس مناصب التدبير، دون أن تخضع بشكل كافٍ لتقييم حقيقي يرتبط بمدى تحقيق النتائج والأهداف التنموية المنتظرة.

وفي العمق، يثير هذا الملف أسئلة مرتبطة بالنموذج الفلاحي الذي تم اعتماده خلال السنوات الماضية، خاصة في ظل الانتقادات التي تتحدث عن توجيه جزء مهم من الاستثمارات نحو الزراعات التصديرية، مقابل تراجع الاهتمام بالمنتجات المرتبطة بالاستهلاك الداخلي والأمن الغذائي الوطني، وهو ما زادت حدته مع توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار عدد من المواد الفلاحية بالسوق الوطنية.

ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات مهمة داخل المؤسسة، خصوصاً إذا ما أفضت عمليات الافتحاص إلى تسجيل اختلالات جسيمة أو شبهات مرتبطة بتبديد المال العام أو سوء التدبير، وهو ما قد يفتح الباب أمام إحالة بعض الملفات على القضاء المختص في جرائم الأموال وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية.

كما يعتبر متابعون أن تدخل المجلس الأعلى للحسابات في هذا التوقيت يعكس إرادة متزايدة في تعزيز آليات الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسات العمومية، خاصة تلك التي ترتبط بقطاعات استراتيجية وحيوية بالنسبة للاقتصاد الوطني والتنمية الترابية.

وفي انتظار ما ستكشف عنه نتائج الافتحاص النهائي، يبقى ملف وكالة التنمية الفلاحية واحداً من أكثر الملفات التي ستثير النقاش خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط بسبب حجم الأموال والصفقات المعنية، بل أيضاً لارتباطه المباشر بمستقبل السياسة الفلاحية بالمغرب، وبأسئلة الحكامة والشفافية وتدبير الموارد العمومية في قطاع يعتبر من أعمدة الاقتصاد الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى