لفتيت يقر بفشل وكالات تنفيذ المشاريع.. وفاس 24 كانت سبّاقة إلى دق ناقوس الخطر حول اختلالات أوراش جهة فاس مكناس

لم يكن تصريح وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام مجلس المستشارين مجرد موقف عابر بشأن تجربة وكالات تنفيذ المشاريع بالجهات، بل بدا بمثابة اعتراف رسمي واضح بفشل نموذج تدبيري أثار منذ سنوات الكثير من الجدل والانتقادات، خاصة بجهة فاس مكناس، التي تحولت فيها عدد من المشاريع والأوراش إلى عنوان للتعثر والاختلالات وغياب الجودة والحكامة.
وفي هذا السياق، كانت “فاس 24” من بين المنابر الإعلامية التي دقت، في أكثر من مناسبة، ناقوس الخطر بخصوص الوضع الذي آلت إليه العديد من المشاريع المرتبطة بوكالة تنفيذ المشاريع بجهة فاس مكناس، من خلال قصاصات وتقارير إخبارية سلطت الضوء على تعثر أوراش، وضعف جودة الإنجاز، واختلالات التدبير، وغياب التتبع والمراقبة الصارمة لعدد من المشاريع التنموية التي كان يفترض أن تشكل رافعة حقيقية لتنمية الجهة.
تصريحات وزير الداخلية جاءت لتؤكد بشكل مباشر أن التجربة لم تحقق النتائج المرجوة، بعدما أوضح أن المشرع حين أقر القانون التنظيمي للجهات وأحدث وكالات تنفيذ المشاريع، كان الهدف هو منح الجهات آلية أكثر فعالية وسرعة لتنزيل المشاريع التنموية، غير أن الواقع – بحسب لفتيت – سار في اتجاه مغاير، حيث تحولت محاولة “تسهيل المأمورية” إلى عامل إضافي في “تعقيد المأمورية”.
ويحمل هذا التقييم الرسمي دلالات عميقة، خاصة أن عدداً من المتتبعين للشأن المحلي بجهة فاس مكناس ظلوا يثيرون، خلال السنوات الماضية، أسئلة مرتبطة بطريقة تدبير المشاريع، وحول مآل ميزانيات ضخمة رُصدت لأوراش تنموية لم تنعكس بالشكل المطلوب على واقع المواطنين أو البنية التحتية للمدن والجماعات.
ففي الوقت الذي كانت فيه الجهة تراهن على هذه الوكالات لتسريع وتيرة التنمية وتقليص الفوارق المجالية، تحولت بعض المشاريع إلى مصدر استياء واسع بسبب التأخر في الإنجاز أو ضعف الجودة أو ظهور اختلالات تقنية متكررة بعد مدة قصيرة من تدشينها، ما فتح الباب أمام انتقادات حادة بشأن الحكامة ونجاعة صرف المال العام.
ولم يُخفِ وزير الداخلية حجم التعثر الذي رافق التجربة، حين أقر بأن بعض الجهات فشلت بشكل كامل في تدبير هذه الوكالات، فيما الجهات الأخرى التي استمرت فيها لم تحقق “النجاح الباهر” أو “الوقع الجيد جداً” الذي كان منتظراً، وهو تصريح اعتبره متابعون بمثابة مراجعة رسمية لنموذج تدبيري استهلك سنوات من الزمن والميزانيات دون تحقيق الأهداف المعلنة.
وفي مقابل هذا التقييم، كشف لفتيت عن توجه الدولة نحو إحداث شركات جهوية جديدة في صيغة شركات مساهمة برأسمال عمومي، هدفها تجاوز العراقيل الإدارية والبيروقراطية التي عطلت المشاريع، مع منح رؤساء الجهات صلاحيات أكبر في تدبير هذه المؤسسات بهدف تحقيق السرعة والفعالية في تنزيل برامج التنمية.
غير أن هذا التحول يطرح بدوره تساؤلات عميقة حول مدى قدرة النموذج الجديد على تجاوز الأعطاب القديمة، خاصة في ظل استمرار الإشكالات المرتبطة بندرة الكفاءات وضعف الحكامة وتداخل الاختصاصات والصراعات السياسية داخل بعض المجالس المنتخبة.
ولعل من أبرز ما أثار الانتباه في تصريحات وزير الداخلية، حديثه الصريح عن معضلة الكفاءات، بعدما كشف أن الوزارة تبحث منذ سنتين عن أطر قادرة على إدارة هذه الشركات، وهو ما يعكس حجم الأزمة التي تعانيها منظومة التدبير الترابي بالمغرب، حيث أصبحت التنمية لا تصطدم فقط بالإمكانات المالية، بل أيضاً بغياب الكفاءات القادرة على تحويل المشاريع إلى واقع ملموس.
وفي جهة فاس مكناس تحديداً، يرى متابعون أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لمدى القدرة على القطع مع مرحلة المشاريع المتعثرة والأوراش المغشوشة التي أثارت الكثير من الجدل، والانتقال نحو نموذج يقوم على الشفافية والمحاسبة وجودة الإنجاز وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن إعلان إخضاع الشركات الجديدة لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، مع فتح إمكانية تتبع المشاريع للعموم، يعكس توجهاً رسمياً نحو تعزيز الشفافية وربط المواطنين بشكل مباشر بمراقبة مسار المشاريع التنموية، في محاولة لاستعادة الثقة التي اهتزت بفعل سنوات من التعثر وسوء التدبير.
وفي العمق، تكشف تصريحات وزير الداخلية أن الدولة باتت واعية بضرورة إعادة النظر في طريقة تنزيل المشاريع الترابية، خاصة أن الرهانات التنموية التي يقودها الملك محمد السادس تحتاج إلى أدوات تنفيذ فعالة وكفاءات قادرة على تحويل الرؤية الملكية إلى مشاريع حقيقية ذات أثر مباشر على حياة المواطنين، بعيداً عن منطق الارتجال والصراعات السياسية والحسابات الضيقة.
واليوم، وبعد هذا الاعتراف الرسمي بفشل جزء من تجربة وكالات تنفيذ المشاريع، تعود الأسئلة الكبرى لتطرح نفسها بإلحاح: من يتحمل مسؤولية تعثر المشاريع؟ وكيف صُرفت الميزانيات؟ ومن سيراقب جودة الأوراش مستقبلاً؟ وهل تنجح الصيغة الجديدة في إعادة الثقة إلى المواطن الذي سئم من مشاريع تُدشَّن بسرعة ثم تتحول بعد أشهر إلى نموذج للاختلالات والتصدعات وسوء التدبير؟






