ولادة داخل “طرامواي” بالعاصمة… وصمة عار جديدة في قطاع صحي يترنّح تحت الفساد والإخفاقات و الوزير التهراوي في قفص الاتهام

أعادت حادثة ولادة سيدة داخل مقصورة طرامواي الرباط-سلا وما تلاها من وفاة رضيعها إلى الواجهة سؤال الانهيار المزمن لمنظومة صحية تستقبل الأزمات يوميًا، دون أن تُقدّم أي مؤشر على إصلاح حقيقي أو إرادة سياسية جادة لوقف النزيف.
ففي قلب العاصمة الإدارية للمملكة، وعلى بُعد دقائق من مؤسسات يفترض أنها عمومية وتشتغل بميزانيات ضخمة، وجدت امرأة نفسها مُضطرة لوضع مولودها داخل وسيلة نقل حضرية بدل سرير ولادة داخل مستشفى عمومي. مشهد صادم، يختزل ما يسميه مهنيون وخبراء “العار الصحي” و”الوجه الحقيقي لتدهور الخدمات الطبية”.
مستشفى يرفض استقبال امرأة في حالة ولادة… ووزارة تتنصل
معطيات متطابقة أكدت أن السيدة حاولت الولوج إلى مستشفى مولاي عبد الله بسلا، غير أن موظفي الاستقبال امتنعوا عن تسجيلها ورفضوا التكفل بحالتها، في ممارسة يصفها مهنيون بأنها “معتادة” داخل المؤسسة بسبب الخصاص الحاد في أطر التوليد.
مصدر طبي من داخل المستشفى أكد أن “غياب اسم السيدة في لائحة الاستقبال لا يعني أنها لم تحاول الدخول، بل يعكس سياسة غير معلنة لتقليص عدد الحالات تجنّبًا لتحمّل المسؤولية”. وهو تصريح يكشف جانبًا من الفوضى وغياب المحاسبة.
التهراوي في قلب العاصفة: فشل سياسات وتفاقم الأزمات
ورغم تكرار الوعود الحكومية، لم تنجح وزارة الصحة في عهد الوزير خالد التهراوي في معالجة الخصاص المهول في الموارد البشرية، خصوصًا أطباء النساء والتوليد والقابلات، ولا في وضع ضمانات قانونية تحمي المهنيين، ولا في فرض حكامة تُنهي ثقافة اللامسؤولية داخل بعض المؤسسات.
وتحوّل هذا الخصاص—وفق مهنيين—إلى ذريعة يتوارى خلفها بعض مسؤولي المستشفيات لرفض استقبال الحالات الحرجة، في مشهد يهدد الحق الدستوري للمواطنين في العلاج ويكشف اختلالات عميقة وهيكلية.
الحادثة الأخيرة تمثل، برأي مراقبين، إدانة مباشرة لسياسات وزارة الصحة، التي لم تستطع توفير الحد الأدنى من شروط السلامة الصحية رغم كثرة البرامج والشعارات والتصريحات.
ولادة في الشارع لتحقيق “التوازن الإداري”!
المثير، وفق شهادات داخلية، هو أن بعض الإدارات تلجأ إلى “إدارة الأعداد” بطريقة بدائية، عبر تقييد الاستقبال بدل طلب تعزيزات بشرية، ما يحوّل المرضى إلى ضحايا لقرارات إدارية لا تخضع لأي معيار طبي أو إنساني.
وهو ما حدث مع السيدة التي اضطرت لمغادرة المستشفى وهي في حالة مخاض متقدم، لينتهي الأمر بولادة على متن طرامواي ووفاة رضيع في مستشفى آخر بالرباط.
تحقيقات داخلية… وهروب إلى الأمام
إدارة مستشفى مولاي عبد الله سارعت إلى فتح تحقيق داخلي، لكنها في المقابل لم تقدّم أي تفسير رسمي أو توضيح للرأي العام رغم المحاولات المتكررة للتواصل معها. وهو سلوك يعمّق الشكوك بدل تبديدها، ويعيد السؤال حول غياب الشفافية داخل المؤسسات الصحية.
حادثة ليست معزولة… بل نتيجة منظومة مختلّة
خبراء في القطاع يؤكدون أن ولادة سيدة داخل “طرامواي” ليست حادثة معزولة، بل نتيجة مباشرة لتراكم أعطاب تسيير، وفساد مستتر، وضعف مراقبة، وفشل السياسات العمومية رغم ضخ مئات المليارات سنويًا.
ويبقى السؤال المحوري:
إلى متى سيظل المواطن يؤدي ثمن أعطاب قطاع صحي يعيش حالة طوارئ حقيقية؟
وإلى متى ستظل وزارة الصحة تكتفي بالتبرير بدل تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية قبل الإدارية؟





